رمز الخبر: ۱۰۱۴۸
عبد الحليم غزالي

موقعة دافوس وملامح التوجه التركي الجديد

 

عصر ایران - من الواضح أن المواجهة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في مؤتمر دافوس قد حازت اهتماما عربيا كبيرا،وإذا كنت قد تحدثت في مقال سابق عن إعجاب الجماهير العربية بشخصية أردوغان الكاريزمية التي ملأت مع شخصية الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز فراغا في البطولة على الساحة العربية طوال الحرب الإسرائيلية على غزة، فإن (موقعة دافوس) بين بيريز و أردوغان قد زادت من حجم الإعجاب بأردوغان في العالم العربي، والدليل على ذلك مظاهرات التأييد التي خرجت للإعراب عن دعم الرجل والامتنان لموقفه من جانب الآلاف من أبناء قطاع غزة، والحق أن هناك ما يثير الإعجاب في موقف أردوغان ويتمثل في الآتي:

أولا: أن الرجل استخدم لغة حادة في انتقاد العدوان الإسرائيلي على غزة منددا بالهمجية الإسرائيلية التي تمثلت في قتل وجرح آلاف المدنيين نصفهم تقريبا من النساء والأطفال، ولم يتردد في الانسحاب من الجلسة التي شهدت المواجهة مع بيريز بعد أن رفض من يدير الحوار السماح له بالتعقيب على بيريز الذي اتهم أردوغان بالجهل بحقيقة ما حدث في غزة ضمنا،وبدا وكأنه يعطي أردوغان درسا مجانيا في الصراع العربي الإسرائيلي.

ثانيا: رغم لهجة إسرائيل التصالحية بعد الواقعة متمثلة في اتصال بيريز به لتهدئته ومؤتمر صحفي عقده السفير الإسرائيلي في أنقرة جابي ليفي أعرب فيه عن ثقته في عودة العلاقات التركية الإسرائيلية لسابق عهدها، فإن أردوغان تمسك بموقفه وبدا حازما في إدانة العدوان الإسرائيلي على غزة بعد عودته إلى تركيا.

ثالثا: مساندة الشعب التركي لأردوغان وخروج مظاهرات لتأييد موقفه حيث استقبل بحفاوة بالغة في اسطنبول إثر عودته من دافوس، والمعنى أن الرجل يعبر عن توجه شعبي جارف في تركيا، مؤيد للشعب الفلسطيني خاصة بعد أن رأى الأتراك المجازر الفظيعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة على شاشات التلفاز، وهم بطبعهم يميلون للوقوف في وجه الظلم ومساندة العدل في كل مكان، وقد سبق لأردوغان أن ذكرهم بأن تركيا العثمانية استقبلت اليهود عندما اضطهدهم الأوروبيون خاصة في أسبانيا قبل قرون طويلة، ولا يزال آلاف اليهود يعيشون في اسطنبول ويحظون بجميع حقوق المواطنة وبعضهم رجال أعمال كبار من أصحاب المليارات.

رابعا: أن موقف أردوغان انطوى على فضح مواقف عربية متخاذلة ومترددة وملتبسة من العدوان الإسرائيلي على غزة،ومن المثير أن بيريز ألمح إلى أن أردوغان يزايد على مواقف بعض الزعماء العرب الذين قال إنهم حملوا حماس مسؤولية الحرب ومنهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس،كما أن عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية كان حاضرا المشادة بين بيريز و أردوغان وتردد في الانسحاب معه قبل أن يستقر في مقعده إثر طلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، كما أن موسى كان هادئا في مداخلته خلال الجلسة التي شهدت المواجهة، وركز على عرض العرب السلام مع إسرائيل من خلال مبادرتهم التي أقروها عام ،۲۰۰۲ ورأى البعض أنه كان يجب على موسى الانسحاب ردا على موقف بيريز وما ذكره من مغالطات خلال مداخلته.

غير أن الأهم هو أن موقف أردوغان تعبير عن توجه في السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط بدأ بوصول حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية للسلطة في تركيا إثر فوزه الساحق في انتخابات نوفمبر عام ،۲۰۰۲ هذا التوجه تبلور بوضوح خلال الحرب الإسرائيلية على غزة أو طرأت عليه تجديدات بمعنى أدق، تتمثل في أن العلاقات الجيدة التي تجمع تركيا بإسرائيل ورغبتها في القيام بوساطة بين العرب وإسرائيل لا تمنعها من توجيه انتقادات حادة لتل أبيب عندما تتجاوز الأعراف والقواعد الدولية في بطشها بالفلسطينيين، أو بغيرهم كما حدث خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو .۲۰۰۶

وهنا نلحظ تميزا في موقف تركيا عن دول الاتحاد الأوروبي فأردوغان يرى ضرورة عدم تجاهل حماس، وقد سبق للحكومة التركية أن استقبلت وفدا من حماس برئاسة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة في فبراير عام ۲۰۰۶ إثر فوز الحركة في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية، رغم انتقادات واشنطن وتل أبيب، وقبل ذلك هاجم أردوغان بشدة إسرائيل لاغتيالها كلا من الشهيدين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي زعيمي حماس ووصف الحادثين بإرهاب الدولة مما أغضب إسرائيل بشدة.

واللافت للانتباه أن أردوغان طالب الولايات المتحدة خلال منتدى دافوس بمراجعة سياستها تجاه الشرق الأوسط،يشمل إعادة صياغة مفهوم الإرهاب، في إشارة ضمنية لتصنيف واشنطن لحركات المقاومة مثل حماس والجهاد الفلسطينيتين و حزب الله اللبناني بالمنظمات الإرهابية، وبالقطع لن تستجيب واشنطن لهذا الطلب لكن في وقت ما قد تعتمد على تركيا في التواصل بشكل غير مباشر مع حماس، وقد لعبت أنقرة دورا في الجهود التي بذلت لإطفاء النيران في الشرق الأوسط خلال الحرب وأرسلت أحمد داود أوغلو كبير مستشاري أردوغان ومهندس السياسة الخارجية التركية إلى المنطقة والتقى بممثلين عن حماس في دمشق والقاهرة، و لا تزال تركيا تحتفظ بقنواتها مع حماس وهي تطالبها في بعض الأوقات بالمرونة، والاقتراب من العمل السياسي أكثر والابتعاد عن منطق السلاح، كما أن أنقرة عرضت القيام بدور في جهود المصالحة بين فتح وحماس خاصة أنها تتمتع بعلاقة جيدة مع فتح، ولو لم يكن لتركيا دور لما لجأت إليها مصر في بداية الحرب على غزة حيث أرسلت لها وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط للتشاور والتنسيق.

وكما يقول وزير الخارجية التركي علي باباجان فتركيا تعرف جيدا أن الكل يفهم لغتها في المنطقة، وأظن أن تركيا لن تفقد دورها بسبب ما فعله أردوغان في دافوس، بل إن إسرائيل ستحسب لها حسابا أكبر،ويتذكر الإسرائيليون جيدا الدور الذي لعبته تركيا في الوساطة مع سوريا خاصة أن علاقات أنقرة مع دمشق أصبحت أكثر صلابة من علاقات دمشق بالعديد من الدول العربية وهي تتمتع بعلاقات جيدة مع العديد من الدول العربية مثل مصر والسعودية والأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة والمغرب والجزائر، ومن الأشياء الإيجابية التي تحسب لأردوغان تركيزه على الاقتصاد كمفتاح للتعاون مع العالم العربي وليس على الخطب الرنانة والحديث الأجوف أحيانا عن الأخوة الإسلامية حيث لا معنى لها إن لم ترتبط بتبادل منافع ومصالح.وفي كل الأحوال فتركيا ستزداد قوة ونفوذا في المنطقة،وسيحتاج لها الجميع في مناصرة الحقوق قبل اللعب في مربع السلام!
الراية - قطر
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: