رمز الخبر: ۱۰۳۵۱
ساطع نور الدين

عراق جديد

عصر ایران - لعله من المبكر استخلاص العبر من نتائج انتخابات مجالس المحافظات العراقية التي جرت الاسبوع الماضي، لكن مؤشراته الاولية لا تخطئ، ولا تدع مجالا للشك في ان تحولا جوهريا حصل في المجتمع العراقي الذي فككه الاحتلال الاميركي ويعاد تشكيله اليوم بناء على مكوناته الاصلية، التي حجبت منذ الاستقلال عن المستعمر البريطاني، وراء فكرة عربية كانت سحرية ونموذجية، قبل ان تنحدر الى مستوى الفضيحة.


ليست المرة الاولى التي يختار فيها الناخبون العراقيون صناديق الاقتراع بدل صناديق الموت. في العام ۲۰۰۵ توجهوا الى مراكز التصويت في الانتخابات النيابية باعداد اكبر بمليون ناخب عن تلك التي سجلت يوم السبت الماضي والتي بلغت سبعة ملايين ونصف مقترع. لكن الفتنة التي اشتعلت في اعقاب تفجير المرقدين في سامراء كانت لهم بالمرصاد، وكادت العملية السياسية المتعثرة برمتها بل وحتى الوحدة الوطنية المفترضة، تضيع تماما على وقع المذابح المذهبية المروعة، التي هزت العالمين العربي والاسلامي، ولا تزال.

هذه المرة كان التصويت تحديا علنيا ومباشرا لتلك الفتنة التي لم تكن ملتهبة قبل الانتخابات النيابية الاخيرة. وكان خيار الناخبين العراقيين واضحا في الابتعاد عن الاحزاب والتيارات والقوى الاشد تورطا في مذابح الاعوام الثلاثة الماضية، السني منها والشيعي.. وفي الاقتراب من اللوائح والمرشحين الذين رفعوا شعار الدولة فوق شعار المذهب، وبرنامج الوحدة فوق مشروع الفيدرالية، حتى بلغوا حد الاقتراع في بعض المحافظات السنية والشيعية لشخصيات تنتمي الى ادارة البعث، من دون ان تكون جزءا من كوارثه وفضائحه.

وفي هذا المعنى كان الاتجاه المناهض للمذهبية مؤثرا، بل حتى مفاجئا، لا سيما وان نيران الفتنة لم تخمد تماما، وتحولت مؤخرا الى صراع قومي بين العرب وبين الاكراد الذين تحصنوا في جبالهم الشمالية واستعدوا لمواجهة جديدة مع المشروع الوطني العراقي العتيد، الذي هجروه مرة اخرى في تكرار شبه حرفي لاخطاء تاريخية عديدة ارتكبوها بحق انفسهم وبحق الدولة العراقية الحديثة، التي كانوا دوما شركاء في بنائها، كما هم اليوم.

لعل بعض المراقبين الاجانب تسرع في الحكم على الانتخابات الاخيرة، باعتبارها نزوعا عراقيا متجددا نحو الدولة المدنية، التي ترتقي على الطوائف والمذاهب، او بصفتها ميلا عراقيا ظاهرا نحو الحداثة، او بالتحديد نحو العلمنة، على ما جاء في تقارير اكثر من مراقب.. لكن المجتمع العراقي لم يكن يخلو من هذه الظواهر يوما، وهو ليس مقفلا تماما على الاستفادة مرة اخرى من تجربة الاستعمار الاميركي مثلما استفاد من تجربة الاستعمار البريطاني، على ما في التجربتين من مظالم ومساوئ، قد تبدو لعامة الناخبين العراقيين اليوم اقل ظلما وسوءا من الذبح على الهوية.

المهم الان، ان الفتنة لم تعد خيارا عراقيا وحيدا، والاحتلال الاميركي لم يعد استعمارا دائما. وأي عراق سلمي يمكن ان يولد من رحم هذه التجربة المريرة، سيكون موضع اهتمام وتقدير، ولو بعد حين.

السفير - لبنان
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: