رمز الخبر: ۳۷۷۸۶
تأريخ النشر: 15:33 - 02 December 2017

عصر إيران - في صيف 2012؛ قام منظر العلاقات الدولية كينيث نيل والتز بنشر مقال بعنوان: "لماذا يجب أن تحصل إيران على القنبلة"، فذكر فيه أن إيران النووية ستعيد تأسيس توازن قوى مستحَب في الشرق الأوسط، بحيث تُصبح ثقلا موازنا لإسرائيل.

لقد جادل والتز -في وقت لاحق من تلك السنة- بأن إستراتيجية العقوبات مع الدبلوماسية من غير المرجح أن تثني إيران عن تطوير قدراتها النووية؛ وكتب في مجلة "الشؤون الخارجية" (فورين أفيرز) في سبتمبر/أيلول 2012 أنه "باستثناء الخيار العسكري؛ فإن من الصعب منع إيران من اكتساب أسلحة نووية إن كانت مصممة على امتلاكها".

لقد كان والتز مخطئا في أمرين: أولهما، أنه بدفاعه عن الأسلحة النووية كمصدر للاستقرار الإقليمي أو الدولي فإنه يكون قد استخف كثيرا بالخطر إذا وقعت تلك الأسلحة في أيدي الإرهابيين، أو استُخدمت نتيجة خطأ في التقدير. ثانيا، فشل والتز في توقّع نجاح المفاوضات النووية مع إيران (أو فشلها من وجهة نظر أولئك الذين أرادوا وجود إيران نووية).

"الاتفاق النووي مع إيران هو أفضل ما يمكن، مما يُظهر قوة الدبلوماسية وخاصة لأولئك الذين أيدوا الوسائل العسكرية. لقد كان هذا الاتفاق من معالم التعددية، ورغم ذلك أو ربما بسبب امتعاضه من التعددية بجميع أشكالها؛ قام الرئيس الأميركي ترمب بوصفها بأنها "أغبى صفقة على مر التاريخ"، وتوقع أن تؤدي إلى "محرقة نووية"، لكن أثبت عدد لا حصر له من الخبراء أن هذه الادعاءات غير صحيحة ومبالغ فيها جدا"

لقد توفي والتز سنة 2013، ولو كان حيا اليوم فإن مما لا شك فيه أنه سيشير إلى الأمور التي لم يتم حسمها في خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي)، التي تبنتها إيران والأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي سنة 2015.

ولكنه كان سيُقرّ كذلك بأن خطة العمل المشتركة الشاملة هي أفضل مما كان يعتقد هو وغيره أنه ممكن، مما يُظهر قوة الدبلوماسية وخاصة لأولئك الذين أيدوا الوسائل العسكرية. لقد كانت خطة العمل المشتركة الشاملة من معالم التعددية، ورغم ذلك أو ربما بسبب امتعاضه من التعددية بجميع أشكالها؛ قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوصفها بأنها "أغبى صفقة على مر التاريخ"، وتوقع أن تؤدي إلى "محرقة نووية".

لقد أثبت عدد لا حصر له من الخبراء -مثل ستيفن مارتن والت من جامعة هارفارد- أن هذه الادعاءات غير صحيحة ومبالغ فيها جدا، ولكن هذا لم يمنع ترمب من أن يرفض في أكتوبر/تشرين الأول إعادة التصديق على خطة العمل المشتركة الشاملة.

إن تحرك ترمب يترك الخيار للكونغرس ليقرر إعادة فرض العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي على إيران، مما يعتبر انتهاكا للاتفاق النووي. وحتى إن قرر الكونغرس ألا يفعل شيئا في هذا الخصوص؛ فإن طرح ترمب المعادي لإيران، والمبادرات الجمهورية الأخرى في الكونغرس، أثرت سلبا على خطة العمل المشتركة وجعلتها أكثر ضعفا.

إن انهيار هذه الخطة سيؤدي إلى مخاطر كبيرة بالنسبة للشرق الأوسط والعالم، وإعادة إيران لبرنامجها النووي مجددا سيضيف بُعدا مثيرا للقلق إلى خصومة إيران الإستراتيجية مع السعودية.

وفي واقع الأمر؛ فإن الحرب الباردة بين البلدين بدأت تسخن، بعد أن اتهمت السعوديةُ -الذي يحظى ولي عهدها الشاب المغامر محمد بن سلمان بدعم ترمب الكامل- إيرانَ مؤخرا بارتكاب "عمل من أعمال الحرب" ضدها، بسبب إطلاق صاروخ من اليمن باتجاه عاصمتها الرياض.

إن أميركا في مواجهة نووية بالفعل مع كوريا الشمالية، وآخر شيء تحتاجه الآن هو زيادة خطر مماثل في الشرق الأوسط. ولحسن الحظ؛ فإن ألمانيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي التزمت بالدفاع عن الاتفاق النووي، حيث نأت تلك البلدان بأنفسها عن الموقف المتردد لإدارة ترمب.

إن السياسة الخارجية لترمب هي إضافة إلى قائمة طويلة من الحوافز المنحرفة في مجال الانتشار النووي، فلو نظرنا إلى غزو العراق (سنة 2003) الذي قادته أميركا لوجدنا أنه جاء بحجة أن صدام حسين يخفي أسلحة دمار شامل، ثم تبيّن أنه لم يفعل.

وعندما تمت الإطاحة به؛ فإن البلدين الآخرين في "محور الشر" -الذي أعلنه الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن- وهما إيران وكوريا الشمالية، توصلا إلى قناعة مفادها أن عدم الحصول على أسلحة نووية قد يعرضهما للمحاولات الأميركية لتغيير الأنظمة. ثم تعزز هذا الاستنتاج سنة 2011، عندما ساعدت الولايات المتحدة الأميركية في الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي، الذي تخلى عن برنامجه النووي قبل ذلك التاريخ بثماني سنوات.

"إن أميركا في مواجهة نووية بالفعل مع كوريا الشمالية، وآخر شيء تحتاجه الآن هو رفع درجة خطر مماثل في الشرق الأوسط. ولحسن الحظ؛ فإن ألمانيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي التزمت بالدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران. وإن السياسة الخارجية لترمب هي إضافة إلى قائمة طويلة من الحوافز المنحرفة في مجال الانتشار النووي"

لقد تولى كيم يونغ أون مقاليد السلطة في كوريا الشمالية بعد الإعدام بدون محاكمة للقذافي على أيدي الثوار المقاتلين، ومن المؤكد أن هذا كان له تأثير على مقاربته للعلاقات الدولية. وعوضا عن جعل كيم يتراجع؛ فإن تهديدات ترمب بـ"النار والغضب " زادت قناعة الزعيم الكوري الشمالي بأن بقاءه وبقاء سلالة كيم في الحكم يعتمد على الأسلحة النووية.

إن العقوبات الصارمة وحدها لن تغير رأيه، حيث يبدو كيم سعيدا للغاية بتعريض الشعب الكوري الشمالي لكافة أشكال الحرمان، من أجل البقاء في السلطة. بالطبع هناك فروق كبيرة بين كوريا الشمالية وإيران، وأكثر تلك الفروق وضوحا هو أن البرنامج النووي الإيراني لم يبدأ بعدُ، بينما كوريا الشمالية -التي بخلاف إيران انسحبت من معاهدة عدم الانتشار النووي- لديها فعليا ما يقدر بستين رأسا حربيا نوويا.

ويبدو أنها تحقق تقدما في تصنيع صاروخ باليستي برأس نووي، سيكون عابرا للقارات وقادرا على الوصول إلى البر الأميركي. وباختصار؛ فإن أي صراع عسكري شامل مع كوريا الشمالية قد يؤدي إلى مخاطر عالمية فورية.

يبدو أن ترمب بدأ يدرك أن زيادة الضغط على كوريا الشمالية لا تمنع الجلوس مع كيم للتفاوض. وفي واقع الأمر؛ فإن الجمع بين الطريقتين هو أفضل بديل منطقي. لكن إعطاء الدبلوماسية فرصة سيتطلب من ترمب التخلي عن خطابه التحريضي ومواقفه المتطرفة، والعمل بشكل بنّاء مع الرئيس الصيني تشي جين بينغ.

وبعد أن تمكن تشي من تعزيز سلطته في المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني؛ فإن من المحتمل أن يلعب دورا مبادرا بشكل أكبر فيما يتعلق بحل الصراعات الدولية، وخاصة في المجالات التي تؤثر على الصين بشكل مباشر؛ فالزعيم الدولي الفعّال يجب أن يكون قادرا على مواجهة حليفه، ومساعدة خصمه، إذا استدعت الظروف ذلك.

إن إيجاد إستراتيجية تعمل بشكل فعّال على احتواء التهديد الكوري الشمالي؛ هي الطريقة الوحيدة للتحقق من أن كوريا الجنوبية واليابان لن تلجآ إلى الخيار المؤسف المتمثل في الانضمام إلى النادي النووي.

وكما لاحظ والتز؛ فإن الأسلحة النووية عادة ما تنتشر ولكن هذا لا يعني أن نستسلم للانتشار، ناهيك عن التقليل من إمكانياته المدمرة، فالأمن العالمي يعتمد على المحافظة على قصص النجاح الدبلوماسي مثل الاتفاق النووي مع إيران، الذي يُعتبر حيويا لتجنب الانتشار، وسيُنهي إلى الأبد دورة العداوة والاستقطاب الخطيرة.

المصدر: الجزيرة 

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: