رمز الخبر: ۴۳۹۰
لكن الامر الذي لا تتحدث عنه سورية يتمثل في ان الابتعاد عن ايران والمقاومة في لبنان وفلسطين ليس بالشئ الذي ثمنه يساوي اعادة الجولان، لان هذه العلاقات حيوية بالنسبة لسورية وحتى اذا منحوا عشرة اضعاف الجولان لسورية فان ذلك لن يؤدي الى ان تخسر سورية هذه الاوراق والمرتكزات.
الدكتور محمد علي مهتدي - ان الاعلان عن اجراء محادثات غير مباشرة بين سورية واسرائيل بوساطة تركية اثار اهتمام الاوساط المختلفة . وربما يتصور الذين ليس لديهم خلفية عن تاريخ وعمق السياسات والمواقف السورية بان سورية قد وقعت في فخ المساومة وستعقد قريبا معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني. الا ان الحقيقة ليست هكذا ، فمن خلال التدقيق في تاريخ وعمق السياسات السورية والحقائق التي تسود السياسات الاسرائيلية سيتبين انه رغم المناخ الحالي فان السلام بين الجانبين لن يحصل على الامد المتوسط.

ان المفاوضات بين سورية واسرائيل بحد ذاتها ليست بالشئ الجديد وكان الجانبان قد اجريا محادثات في التسعينات في مدريد ومن ثم في واشنطن و واي ريفر. وذكر آنذاك بان 98 بالمائة من القضايا المتعلقة بانسحاب الجيش الاسرائيلي من الجولان المحتل قد سوي وبقي 2 بالمائه من القضايا المتعلقة بالشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا من دون حل.

وكان الخلاف يتمثل في ان سورية كانت تريد الوصول الى شواطئ البحيرة الا ان الكيان الصهيوني قبل ان تصل سوريا الى بعد 15 مترا عن الشاطئ لكي لا تستفيد من مياه البحيرة. وفي ذك الوقت كان الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد يقول انه كان يسبح في بحيرة طبريا قبل احتلالها في حزيران 1967 لكن المفاوضين الاسرائيليين كانوا يقولون بان ساحل البحيرة قد تراجع وانحسر وان الاسد بامكانه الان فقط اصطياد السمك من على بعد 15 مترا عن البحيرة لكنه لا يستطيع ان يضع قدميه في مياه البحيرة!

ان هذا الخلاف الذي يبدو طفيفا حسب الظاهر ادى ان انهيار المفاوضات برمتها وبقي الجولان محتلا. لكن هل ان هذا الخلاف البسيط كان عصيا على الحل؟

الحقيقة ان لا اسرائيل تنسحب من الجولان ولا سورية ستقبل بالشروط الموضوعة لهذا الانسحاب. فلقد ضمت اسرائيل مرتفعات الجولان اليها في عقد الثمانينات من خلال قانون مرر في الكنيست الاسرائيلي واقامت لحد الان مستوطنات على نحو 20 بالمائة من اراضي الجولان. لكن المسالة المهمة بالنسبه لاسرائيل هي المياه علما ان مصادر مياه بحيرة طبريا اي اهم مصادر المياه العذبة في منطقة الجليل تقع على اطراف جبل الشيخ وان اسرائيل غير مستعدة تحت اي ظرف للمجازفة بهذه المصادر الحيوية.

ولا ننسى بان حرب حزيران 1967 قد اندلعت بسبب مياه نهر الاردن. كما ان الحروب الاسرائيلية في جنوب لبنان اندلعت بهدف الوصول الى مصادر نهري الليطاني والوزاني وان سبب امتناع اسرائيل عن الانسحاب من مزارع شبعا هو مصادر المياه.

ولذلك فان اعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت استعداده لاعادة الجولان الى سورية قوبل بمعارضة شديدة من الاوساط الاسرائيلية وان اولمرت الذي يواجه حاليا ظروفا سياسية صعبة بسبب هزيمة اسرائيل في حرب ال33 يوما في لبنان والتهم الموجهة اليه بالفساد لن يكون قادرا على اعادة مرتفعات الجولان الى سورية.

من جانب اخر، فانه ليس بوسع سورية رفض الاقتراح القاضي باستعادة الجولان عن طريق المفاوضات ، لانها ستتهم فورا بانها تخلت عن اراضيها او انها داعية حرب وتعارض السلام. لذلك فان سورية واشرافا منها على مواقع الضعف والحقائق السياسية في اسرائيل ، تقبل بالمفاوضات، لكنها ترفض على الفور الشروط التي تضعها حكومة اولمرت. ومن وجهة نظر سورية فان اعادة الجولان بمثابة احقاق الحق المهدور لذلك فانه لا يحق لاسرائيل المطالبة بثمن في مقابل اعادة الجولان. اضافة الى ان الشروط التي تطرحها اسرائيل اي الابتعاد عن ايران والمقاومة الاسلامية في لبنان وفلسطين هي قضايا تتعلق بالسيادة السورية وقرار هذا البلد في مجال السياسة الخارجية وان مطالب كهذه من جانب اميركا واسرائيل تشكل انتهاكا للسيادة السورية.

لكن الامر الذي لا تتحدث عنه سورية يتمثل في ان الابتعاد عن ايران والمقاومة في لبنان وفلسطين ليس بالشئ الذي ثمنه يساوي اعادة الجولان، لان هذه العلاقات حيوية بالنسبة لسورية وحتى اذا منحوا عشرة اضعاف الجولان لسورية فان ذلك لن يؤدي الى ان تخسر سورية هذه الاوراق والمرتكزات. والحقيقة ان سورية والى جانب مواصلة المفاوضات تعرف جيدا انها لن تستطيع التوصل الى نتيجة مع اولمرت. لان نظرة سورية متجهة نحو اميركا. وفيما يخص اميركا فان سورية وان ارادت اعطاء تنازلات فانه من غير المنطقي ان تعطيها لشخص سيرحل عن البيت الابيض بعد اشهر من الان. والنتيجة ان هذه المفاوضات وان كان مقدرا لها ان تتكلل بالنجاح فان هذا لن يتحقق في عهد اولمرت وبوش.

والحقيقة ان الاطراف الثلاثة قد تنتفع مرحليا من المفاوضات الحالية. فسورية تصدر هذه الاشارة الى اميركا بانها تدعو الى السلام وهذا سيحول دون ان تهاجم اميركا سورية وتضعها ضمن محور الشر. واولمرت الذي يمر بازمات ويتعرض للضغط من كل جانب يمكن ان يظهر على انه شخص مهم من خلال هذه المفاوضات ويصرف انتباه الراي العام عن اتهامه بالفساد . وتركيا تستطيع من خلال مبادرتها هذه بان تسوي بعض مشاكلها مع اوروبا وتعزز قوتها الدبلوماسية.

والظاهر ان الجميع راضون عن هذه الفوائد المرحلية اضافة الى انهم يعرفون ان هذه المفاوضات لن تفضي الى نتيجة في النهاية ولن تحقق السلام.
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: