رمز الخبر: ۸۷۲۰
يبدو بأن المعركة الخاصة بتعزيز شرعية إسرائيل ومكانتها الدولية قد وصلت إلى ذروتها حاليا، وهو ما نشهده من خلال ما يجري على ساحة العلاقات الدولية في أكثر من صعيد، لا سيما تلك المرتبطة بالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. ففي الوقت الذي يبدو فيه التعاون مع الطرف العسكري أقل اندفاعا وحماسة وينحصر مؤقتا في إجراء المناورات المشتركة وما شابه، تُظهر المؤشرات المختلفة بأن الساحة الدبلوماسية ستكون أكثر انفتاحا على التحركات التي ستتميز بالحدة وربما التشويق والإثارة.

الجهود تنصب حاليا حول ما بات يعرف برفع مستوى العلاقات بين الدولة العبرية والاتحاد الأوروبي، وهو مشروع طويل الأمد ولد في مخيّلة من ساهموا بتأسيس إسرائيل وكذلك من تعاطفوا معها لاحقا من الأوروبيين، لكنه أصبح بفضل جهودهم المتواصلة التي تواجه بتلكؤ عربي واسع، حقيقة واقعة لا مجال للطعن بها بأي شكل من الأشكال.

ومما لا شك فيه، أن (إعلان إيسين) الصادر عن قمة الاتحاد الأوروبي خلال العام ۱۹۹۴ قد وضع المشروع المذكور على سكة الانطلاق، حيث أشار فيه المجتمعون إلى (وجوب تمتع إسرائيل بوضع خاص في دائرة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي)، في حين جاءت مقررات اللجنة الإسرائيلية ؟ الأوروبية المشتركة في السادس عشر من يونيو الماضي لتكمّل ما تم الاتفاق عليه وتطلق فعليا شرارة الجهود الدبلوماسية الأوضح لإتمام هذا الحلم الاستراتيجي.

ويبدو من المعطيات التي نرصدها بين وقت وآخر في كواليس العمل الدبلوماسي والإعلامي، أن الخطوة البراغماتية النهائية بهذا الخصوص قد تتخذ خلال الرئاسة التشيكية المقبلة للاتحاد الأوروبي، أخذا بعين الاعتبار سلسلة من الحقائق الماثلة أمام أعيننا، والتي باتت واضحة المعالم تماما برغم الضباب الكثيف الذي تحاول بعض القوى نشره في الأثير لأهداف تكتيكية مختلفة.

المسؤولون التشيك أنفسهم لا ينفون بأي شكل من الأشكال رغبتهم الجامحة بإتمام هذا الملف خلال توليهم رئاسة الاتحاد الأوروبي. ففي المداخلة التي ألقاها بهذا الخصوص نائب رئيس الوزراء للشؤون الأوروبية ألكسندر فوندرا في مؤتمر أصدقاء إسرائيل قبل أسابيع قليلة، أشار إلى سلسلة من الأمور التي وصفها بالمنطقية والتي تستوجب استكمال مشروع تعزيز العلاقات بين الجانبين الإسرائيلي والأوروبي.

وإذا استثنينا من كلامه تلك العبارات الدبلوماسية والعاطفية العامة التي تميّز كل خطاب يلقيه شخص متعاطف جدا مع إسرائيل مثلما هو الحال مع السيد فوندرا، فإن أبرز ما اعتمد عليه لتبرير ضرورة إطلاق تلك الخطوة الجذرية هو (ضرورة الدفاع عن مصداقية الاتحاد الأوروبي في ما يخص التزامه بالإعلانات والمقررات الصادرة عنه في أوقات سابقة).
 
إذا، المقررات التي سبق ذكرها في بداية هذا السرد ستشكل حتما الأساس القانوني الذي ستعتمد عليه الحركة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة من أجل دفع القطار الذي يقف منذ فترة على السكة المخصصة له.

وبطبيعة الحال، لا يوجد أفضل من تشيكيا بوضع قيادتها الحالية لرسم الإطار الصحيح الذي ستتحرك من خلاله تلك الحركة الدبلوماسية.

فالجميع في أوروبا يعلمون، بأن إيلاء هذه المهمة الحساسة للرئاسة الفرنسية أو غيرها من الدول الكبرى قد يتّسم بكثير من الصعوبات والإحراجات، أخذا بعين الاعتبار شبكة العلاقات الواسعة التي تقيمها تلك الدول مع العالم العربي، في حين أن القيادة التشيكية لا ترى مبررا لمجرد التفكير بأي حرج.

في الإطار الدبلوماسي الرسمي، يصر التشيك على أن تحرّكهم هذا، والذي سيصب حسب رأيهم في المصلحة العالمية الشاملة، سيشكل فرصة إضافية لتعزيز فرص السلام في منطقة الشرق الأوسط لأنه سيساهم في تقريب وتوضيح وجهات النظر القائمة منذ العصور الغابرة في ما يخص التسوية الشاملة في المنطقة، انطلاقا من المبادئ التي تم التوافق عليها في المؤتمرات والمفاوضات السابقة.

ما يدعو للاستغراب في الحدود الدنيا، هو أن هؤلاء يصرّون على أن هذا الدور لن يشكّل تجاهلا للفلسطينيين أو الدول المحيطة بالطرفين المتنازعين، لأن التورط الأوروبي في قضايا الشرق الأوسط (وفق السيناريو المتحمس لتعزيز العلاقات مع إسرائيل) سيجبر الدول العربية ليصبحوا أكثر تشوقا من أجل إقامة علاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي على غرار ما هو قائم مع دولة إسرائيل.

هذا على الأقل ما يؤمن به بعض المسؤولين التشيك ممّن سيكون لهم دور فعال ومفصلي في إدارة دفة قيادة الاتحاد الأوروبي خلال الستة أشهر القادمة، في حين أن أداءهم الدبلوماسي العلني والسري لا يبدو متوافقا مع هذا الطرح الموضوعي بأي شكل من الأشكال.

يجب القول حتما، أنه في حال أُنجزت هذه الاتفاقية فأنها ستشكل تقدما كبيرا في ما يخص تعزيز شرعية الدولة العبرية ضمن المجتمع الدولي، وهو ما أعلن عنه أيضا الإسرائيليون من خلال جملة من الوثائق والتصريحات الرسمية وغيرها.

وإذا قسنا الأمور انطلاقا من المنطق العملي الإسرائيلي، فإن مشروع تعزيز العلاقة سيفسح بالمجال أمام لقاءات وحوارات دبلوماسية شاملة ومتكررة بين الجانبين، وسيسمح لإسرائيل بالانضمام إلى الوكالات والبرامج والمجموعات الأوروبية العاملة، ما سيعني بالتالي تقريب الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين إلى المعايير الأوروبية ورفع القدرة التنافسية للشركات الإسرائيلية بشتى المجالات.

مقابل كل ذلك لا ندري إذا كان العالم العربي قد بات مستعدا لمواجهة خطوة استراتيجية مثل هذه، في وقت لا تظهر أمام الناظر من بعيد سوى بعض التحركات الدبلوماسية التي تمارسها نصف القيادة الفلسطينية المتمثلة في الضفة الغربية، في حين يبدو النصف الآخر المتمترس في غزة بعيدا كليا عن الواقع الدبلوماسي العالمي.

باختصار، إننا الآن أمام حقيقة صارخة في أبعادها: لقد أجبرت إسرائيل الغرب بأن يعترف بها كامتحان يعكس فشله أو نجاحه. فأين العرب من كل ذلك؟
حسن عزالدين
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: