رمز الخبر: ۹۰۵۳
ضياء الدين احتشام

اعلن رئيس مجلس الشورى المصري صفوت الشريف في تصريحات ادلى بها اخيرا دعمه للسياسة التي تتبعها القاهرة تجاه اهالي عزة وهاجم من خلالها ايران واتهمها بالتدخل في شؤون المنطقة.

وبطبيعة الحال فان اي انسان حر في التعبير عن رأيه ولذلك فانه لا ماخذ على تصريحات صفوت الشريف وكذلك على نقد تصريحاته هذه.

وقال صفوت الشريف ان "مصر هي رمز الديمقراطية في المنطقة وان ايران تفتقد الى ذلك".

وفي هذا المجال يكفي الاشارة الى ان الرئيس المصري حسني مبارك هو رئيس لمصر منذ اكتوبر 1981 اي نحو قبل 21 عاما في حين ان تداول السلطة يعتبر احد الاركان الاولية والرئيسية للديمقراطية.

والطريف ان السيد مبارك كان المرشح الوحيد في جميع الانتخابات التي جرت على مدى ال21 عاما. بعبارة اخرى فانه ركض في مضمار لا يوجد فيه عداء اخر وكان هو الفائز بطبيعة الحال.

والانتخابات الاخيرة الوحيدة التي سمح لعدد اخر من المترشحين ان يخوضوا السباق الرئاسي الى جانب مبارك. وفي هذا السباق فان اقوى منافسي مبارك كان ايمن النور الذي زج به بالسجن مباشرة بعد الانتخابات ما اثار احتجاج محافل حقوق الانسان الا ان السلطات المصرية لم تفرج عن المذكور الذي تجرأ ونافس "السيد رئيس الجمهورية" لكي يكون عبرة لجميع الذين يعيشون في "رمز الديمقراطية" هذا!

في حين انه وبعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1978 ولحد الان فانه جرت نحو 30 عملية انتخابات 9 منها متعلقة بالانتخابات الرئاسية على ان تجري الدورة العاشرة للانتخابات الرئاسية بعد اقل من ستة اشهر من الان، ولم تكن في ايران انتخابات خاضها مرشح واحد وقد حدث لمرات بان المترشح المنافس فاز في الانتخابات التي اقامها الجناح الحاكم. فعلي سبيل المثال فان التيار المحافظ كان قد اقام الانتخابات الرئاسية السابعة التي فاز فيها محمد خاتمي من التيار الاصلاحي وفي الانتخابات الرئاسية التاسعة التي اقامها التيار الاصلاحي الحاكم آنذاك فاز فيها محمود احمدي نجاد من التيار المحافظ.

ترى هل حدثت هذه التطورات في مصر أم ان الرئيس في هذا البلد يمكن مقارنته فقط مع رئاسة ديكتاتوريين مثل صدام حسين في العراق؟!

فاذا كان معنى الديمقراطية بان يحكم ضابط عسكري لعشرات السنين بلد كبير وصاحب حضارة فانه يجب القول بان جميع التعاريف الموجودة عن الديمقراطية واللجوء الى اصوات الشعب هي بحاجة الى مراجعة مجددة!

وفيما يتحدث السيد صفوت الشريف عن الديمقراطية فان الحكومة المصرية لا تعترف بالحكومة المنبثقة عن اصوات الشعب الفلسطيني وواكبت اسرائيل في محاصرة غزة لاسقاط حكومة حماس الشرعية.

فكيف يمكن التشدق بالديمقراطية واتخاذ اجراءات في الوقت ذاته لخنق هذه الحكومة التي افرزتها الديمقراطية؟ الا يعتبر ذلك بمثابة سحق لهذه الديمقراطية؟

وقد وجه رئيس مجلس الشورى المصري انتقادا لسياسة ايران تجاه فلسطين وغزة لكنه لم يفسر كيف يمكن انتقاد ارسال سفينة تقل ادوية ومواد غذائية لشعب يفتقد الى ادنى وابسط مقومات الحياة والى اطفال يفتقدون الى الحليب وللمرضى الذي يقاسون من المرض وهم على فراش الموت؟

وتقول السلطات المصرية ان الايرانيين يمارسون من خلال ذلك الدعاية لانفهسم.

ولنفترض ان الامر كذلك فانتم ارسلوا ايضا الى اهالي غزة المحاصرين الادوية والاغذية لكي يتم ممارسة الدعاية لكم ايضا ... قدموا المساعدات للشعب الفلسطيني بحيث تغطي على المساعدات الايرانية!

وعليه فان يمكن وصف اغلاق القاهرة للحدود مع غزة لفترة طويلة كالشخص الذي يسجن مريضا في غرفة لا هو يعطيه الدواء والغذاء ولا يسمح للاخرين بان يقدموا له المساعدة ايضا وفي الوقت ذاته يغلق الطريق على الذين يريدون مساعدة هذا الشخص ويكيل لهم التهم والافتراءات!

وماذا حدث حقا لمصر التي كان يحكمها في يوم من الايام رجل كجمال عبد الناصر مات حزنا على الفلسطينيين وهزيمة العرب في مقابل الصهاينة لكن اشخاصا يحلون محله الان يضعون يدهم بيد الساسة والعسكريين الاسرائيليين ليزيدوا من حزن ومعاناة الفلسطينيين وحتى انهم يغلقون الطريق لايصال الادوية والمواد الغذائية اليهم ... .

وحتى اذا سلمنا بان الحكومة المصرية لها مشاكل مع حكومة حماس الا يعتبرهذا بعيد عن الانسانية بان يتم منع ايصال حتى الحليب المجفف الى اطفال غزة لكي يتم مثلا ممارسة الضغط على حماس وان يتولى تيار اخر السلطة؟

كما قال السيد صفوت الشريف بان تاريخ ايران ملئ بانتهاك الحقوق العربية!

بالتاكيد فان القضية الفلسطينية هي في الوقت الحاضر اكبر قضية في العالم العربي. والان لنرى كيف تصرفت ايران لحد الان تجاه هذه القضية العربية، هل انها دخلت من باب انتهاك الحقوق العربية أم انها تحملت حتى اثمان في الدفاع عن حقوق العرب؟

وحتى قبل عام 1979 حيث كان حكومة ملكية مدعومة من اميركا تحكم ايران ، فان ايران كان لها آنذاك علاقات جيدة مع اسرائيل وكانت احد اكبر مزودي اسرائيل بالنفط. وكان العديد من الخبراء الاسرائيليين يتواجدون في ايران وكانوا ينشطون في القضايا العسكرية والصناعية في ايران. وكان اللوبي الصهيوني في الدول المختلفة لاسيما اميركا ، يدعم ايران. في حين ان العرب كانوا يعادون ويواجهون اسرائيل في تلك الاعوام.

وفي عام 1979 حيث انتصرت الثورة الاسلامية في ايران وقامت الجمهورية الاسلامية اقدمت طهران على قطع جميع العلاقات مع اسرائيل وحولت السفارة الاسرائيلية الى سفارة فلسطين ووضعتها بتصرف الفلسطينيين.

وبعد ذلك تحول دعم الشعب الفلسطيني الى احد اركان السياسة الخارجية لايران وقد دفعت ايران في هذا السبيل اثمانا باهضة. علي سبيل المثال ، فقبل انتصار الثورة الاسلامية في ايران حيث كانت لايران علاقات مناسبة مع اميركا واسرائيل فان محطة بوشهر كانت قيد الانشاء بدعم منهما الا انه مع تغير السياسة الايرانية وفي ظل العراقيل التي وضعتها اميركا واللوبي الصهيوني فان بناء المحطة قد توقف ولم يكتمل حتى بعد مضي ثلاثين عاما. في حين انه لو كانت طهران تواصل سياسة التقارب مع اسرائيل ومعاداتها للعرب كما كان الامر في النظام البائد لما كانت تواجه كل هذه المشاكل في الوقت الحاضر ولكانت محطة بوشهر تعمل منذ سنين، الا ان الحكومة الايرانية فضلت اعتماد القيم الاسلامية والانسانية.

ان دعم ايران حكومة وشعبا للقضية الفلسطينية يتم في حين ان معظم الايرانيين ليسوا سنة ولا عربا لكن ومن منطلق اسلامي وانساني اعتمدت السياسة الخارجية الايرانية الدفاع عن حقوق "الناس" المسلمين المضطهدين في فلسطين ودفعت ثمن ذلك وحتى انها خضعت لاقسى العقوبات الدولية.

ويجب القول ، اي من الدول ال22 العربية دفعت ثمنا بقدر ما دفعته ايران من اجل فلسطين في حين ان ايران لم تكن مرغمة اصلا ان تدفع هذا الثمن، فكان يكفي فقط ان تواصل حكومة الجمهورية الاسلامية صداقة الحكومة الايرانية السابقة مع اسرائيل.

هل ان ايران انتهكت الحقوق العربية أم العديد من الدول العربية التي قدمت خلال حرب الثماني سنوات 55 مليار دولار لصدام كدعم مالي وتسليحي لكي يقصف المدن الايرانية ويشتري القنابل الكيماوية ويقتل 500 الف ايراني كان ذنبهم الدفاع عن وطنهم ؟

... وألم تقر الامم المتحدة في النهاية بان صدام كان المعتدي وهو من بدأ الحرب؟

هل ايران انتهكت الحقوق العربية في حين انه وبعد مضي عشرين عاما على تلك الحرب واقرار الامم المتحدة باحقية ايران فانها لم تتسلم حتى دولارا واحدا من العراق كتعويض عن الحرب لانها ترى ان العراقيين الان ليسوا في ظروف تمكنهم حاليا من دفع هذه التعويضات الا ان الكويت تسلمت حتى اخر دولار من تعويضاتها من برنامج النفط مقابل الغذاء؟

وهل ايران انتهكت الحقوق العربية ام السعودية التي هاجمت قبل 21 عاما الحجاج الايرانيين العزل الذين شاركوا في مسيرة سلمية في مكة المكرمة حصلت على ترخيص من حكومة الرياض ، ورددوا فيها شعارات مناهضة لاميركا واسرائيل وقتلت 500 حاجا بريئا في الحرم الالهي الامن وارسلت بجثثهم الى ايران؟

والطريف انهم قالوا بعد ذلك ان هؤلاء الحجاج كانوا ينوون الاستيلاء على مكة المكرمة لكنهم لم يقولوا بانه كيف كان بامكان عدد من النساء والرجال المسنين وهم يرتدون الاحرام والنعلين وبيد خالية القيام بعمل كهذا؟ واذا كانت هذه النية موجودة لماذا سمح لهم بالقيام بهذه المسيرة؟ ولم يقولوا ايضا بان قائد العمليات التي تم خلالها قتل حجاج بيت الله الحرام كان ضابطا يهوديا يدعى "آلريش فغنر".

وهناك الكثير ما نقوله في هذا المجال لكن يجب التحلي بالعدل والانصاف بانه هل ان ايران انتهكت الحقوق العربية أم القادة العرب الذين انتهكوا على الدوام الحقوق الايرانية؟ (ونؤكد بانهم "القادة العرب" لان الشعوب المسلمة لا تتصرف ضد احدها الاخر اطلاقا).

كما اتهم السيد صفوت الشريف ، ايران بالتدخل في المنطقة ونسى بان ايران تعتبر احد اللاعبين في منطقة الشرق الاوسط ، والدليل على ذلك ان ايران هي احد سكان هذه المنطقة شانها شان مصر والسعودية والعراق وسورية الذين هم في هذه المنطقة وينسى كذلك التنديد بتدخل اميركا التي جاءت من وراء البحار والمحيطات باساطيلها ومدافعها ودباباتها ومقاتلاتها الى هذه المنطقة.

ويتهم الشريف ، ايران بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى ويقول بعد ذلك مباشرة بان ايران تحتل الجزر الثلاث (تنب الكبرى وتنب الصغرى وابوموسى) وينسى كذلك بان هذه التهمة تعد بحد ذاتها تدخلا في العلاقات بين البلدين الجارين ايران والامارات.

وفي الختام نأمل بان يفهم عقلاء مصر حكامهم بان اثارة العداء والخصومة بين البلدين الكبيرين والقويين والمسلمين وصاحبي الحضارة ايران ومصر يحز فقط في نفوس 150 مليون ايراني ومصري ويثلج صدور معسكر العدو المشترك الذي مازال يعيش حلم من النيل الى الفرات.

ان ايران ومصر يستحقان افضل الصداقات ان سمح المتطرفون بذلك.

المنتشرة:
قيد الاستعراض: 0
لايمكن نشره: 0
مجهول
18:30 - October 07, 1387
0
0
كلام دقيق و سليم مئة بالمئة.
مجهول
18:35 - October 07, 1387
0
0
كلام دقيق و سليم مئة بالمئة.
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: