رمز الخبر: ۹۶۴۵
عصر ایران - كتب المفكر العربي و الصحافي الشهير فهمي هويدي مقالا اكد فيها ان احدى الخلاصات التي نخرج بها من متابعة المشهد في غزة هي : لا شيء تغيّر في اسرائيل ، لكن العرب هم الذين تغيروا .
 
و افادت وكالة انباء فارس بأن هذا الكاتب الكبير كتب في مقاله الذي جاء تحت عنوان ( جريمة المحرقة لن تمرّ ) ، نقلا عن الصهاينة الغزاة :

«قتلت ما بين 80 الى مائة فلسطيني ، من النساء والأطفال. الأطفال كانوا يقتلون بتحطيم رؤوسهم بالعصي. لم يكن هناك منزل واحد بلا جثث. اجبر الرجال والنساء على البقاء في بيوتهم بلا طعام أو ماء. ثم جاء الجنود لكي يفجروا المنازل بالديناميت. أمر قائدنا أحد الجنود باحضار امرأتين الى المنزل الذي كان على وشك تفجيره».. جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل اطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخرى معها جنينها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك اطلقوا النار عليها وعلى طفلها. القادة المتعلمون من ذوي الأخلاق الحسنة، الذين كانوا يعدون «أفضل الرجال» تحولوا الى قتلة في معارك الطرد والابادة التي انطلقت من الاقتناع بأنه كلما كان هناك عرب أقل، كان ذلك أفضل لاسرائيل.
و اضاف الغزاة الصهاينة :

«كان علينا أن نهاجم اللاجئين الفلسطينيين، انقسمنا الى ثلاث مجموعات، كل واحدة ضمت أربعة أشخاص. شاهدت مع زميل لي عربياً يقف عند منحدر التل. قال لي زميلي جبيلـي: هار، جهز سكينك. زحفنا نحو الرجل الذي كان يردد لحناً عربياً، فسارع جبيلي الى الامساك به، وأنا اغمدت السكين في عمق ظهره. رأيت الدماء تتدفق على قميصه القطني المخطط. ودون أن أضيع أية ثانية، تصرفت تصرفاً غريزياً وقمت بطعنه مرة أخرى بالسكين، تأوه الرجل وتمايل ثم سقط مضرجا في دمائه».

و قال هويدي : هذان النّصان لا يصفان شيئاً مما يحدث في غزة هذه الأيام ، ولكن الأول منهما جزء من شهادة جندي شارك في احتلال قرية الدوليمه الفلسطينية عام 1948، نشرتها صحيفة «دافار» الاسرائيلية في 1979/6/9 أما الثاني فهو مقتبس من يوميات جندي اسمه مائير هارتزيون، تحدث فيها عن تجربته مع الجيش الاسرائيلي في بداية الخمسينات، التي نشرت في تل أبيب عام 1969. وكانت صحيفة «ها آرتس» قد سألته حينذاك عما اذا كان يشعر بوخز الضمير من جراء ما فعل، فنفى ذلك، وقال ان طعن العدو بالسكين «شيء رائع» يمنحك احساساً بأنك رجل حقاً. ( القصتان وردتا في ثنايا كتاب صدر مؤخراً عن دار الشروق الدولية حول «ارهاب اسرائيل المقدس»).

و اضاف هويدي : هذا الذي حدث قبل ستين عاماً يتكرر الآن في غزة. لكن السلوك الاسرائيلي اختلف في الدرجة، في حين أن الموقف العربي اختلف في النوع. فاسرائيل ظلت على موقفها في الفتك بالفلسطينيين واستباحة دمائهم. في الاربعينيات ارادت تهجيرهم والآن تريد تركيعهم. ووقتذاك استخدمت السلاح والآن أضافت اليه الحصار. وما فعله النازيون معهم حين وضعوا اليهود في معسكرات الاعتقال ثم ساقتهم الى غرف الغاز، فان الاسرائيليين حولوا غزة بالحصار الى معسكر للاعتقال، وأقامت لهم محرقة باسلوب آخر، حيث عمدت الى قصفهم ودك بيوتهم فوق رؤوسهم من الجو والبر والبحر. بل لم يتورعوا عن ضرب مقرات المنظمات الدولية (الصليب الأحمر ووكالة غوث اللاجئين) وقصف سيارات الاسعاف وتصفية المسعفين. الأمر الذي يعني أنهم ضاعفوا من وحشيتهم واستهتارهم وتنكيلهم بالفلسطينيين .

و اردف قائلا : أما اختلاف الموقف العربي في النوع، فيظهر جليا حين نلاحظ أنه في الاربعينيات كان هناك توافق بين الحكومات والشعوب العربية على ضرورة مواجهة العدوان الصهيوني. الذي أسفر عن وجهه في منتصف الثلاثينيات، الأمر الذي وفر مناخاً مواتياً لفتح الباب واسعاً لتطوع المجاهدين من أنحاء العالم العربي والاسلامي، ولاشراف الجامعة العربية على جمع المال والسلاح لمقاومة تقدم العصابات الصهيونية. وهو ما انتهى باعلان الحكومات العربية في عام 1948 - من خلال اللجنة السياسية بالجامعة - زحف الجيوش المصرية والسعودية واللبنانية والعراقية والاردنية لمساندة شعب فلسطين «لأن أمن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية»، كما ذكر البيان الذي صدر بهذا الخصوص .

و اكد هويدي قائلا : لست هنا بصدد تقييم النتائج التي يعرفها الجميع ، لأن ما يعنيني في اللحظة الراهنة هو المدى الذي بلغه اختلاف الموقف العربي على الصعيد النوعي. فلا الحكومات العربية اتفقت مع بعضها البعض على مواجهة العدوان ، بل عجزت حتى عن أن تعقد قمة لاتخاذ موقف موحد. ولا توافقت تلك الحكومات مع شعوبها، التي مازالت أغلبيتها الساحقة على الأقل ثابتة على موقفها الذي عبرت عنه في عام 1948.

و تابع القول : الأدهى من ذلك و الأمر ، أن بعض الحكومات العربية بدت في التعامل مع العدوان أكثر توافقاً وتناغماً مع الدول الغربية، منها مع شقيقاتها العربيات. وكان ذلك أوضح ما يكون في اصداء قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص وقف العدوان على غزة. ناهيك عن اللغط المثار حول الموقف من العدوان ذاته ومن حصار القطاع بوجه عام . ومادمنا بصدد المقارنة، فاننا لا نستطيع أن نتجاهل في رصد الموقف الغربي، الذي افزعته الممارسات النازية الألمانية بحق اليهود في اربعينيات القرن الماضي، هو ذاته الذي يقف الآن متفرجاً - بعضه يشجع ويبارك - المحرقة النازية الاسرائيلية بحق الفلسطينيين.

و قال هويدي : رغم أن أي تقييم لنتائج المحرقة لا يزال مبكراً، الا أن ثمة أمور برزت في الأفق الآن، بحيث يمكن التعامل معها كمؤشرات مقطوع بها، أو مرجحة عند الحد الأدنى. من ذلك مثلاً أن ما جرى في غزة لن يمر بسلام، لا عربياً ولا فلسطينياً. وفي هذا الصدد ينبغي أن ننتبه باستمرار الى أن الشارع العربي يعيش الحدث في غزة يوماً بيوم بل ساعة بساعة.
 
واذكر في هذا الصدد بأنه اذا كانت اسرائيل تمارس الآن بدرجة أعلى ذات الجرائم التي ارتكبتها في فلسطين، فان تفصيلات تلك الجرائم لم يتعرف عليها العرب والمسلمون الا بعد سنوات من وقوعها، وأن الاعلام كان ضعيفاً في اربعينيات القرن الماضي. لكن الأمر اختلف الآن تماماً، لأن الناس أصبحوا يتابعون ما يجري في غزة ساعة بساعة، وفي أحيان كثيرة فان مشاهد المحرقة تنقل اليهم مباشرة عبر بعض الفضائيات، ولا ينبغي أن يستهان بهذه التعبئة المستمرة التي شحنت الشارع العربي بمختلف مشاعر السخط والغضب. ليس على اسرائيل وما تفعله، ولكن على العجز الذي ظهر في مواقف الأنظمة العربية ذاتها. وهذا وجه الخطر في الموضوع . ذلك أن مواقف الأنظمة العربية، التي وضعت أغلبها موضع الاتهام اما بالتقاعس أو بما هو أبعد من ذلك وأسوأ، أحدثت أزمة ثقة عميقة بين الجماهير وبين تلك الأنظمة. صحيح أن ثمة فجوة تقليدية بين الأنظمة والشعوب في العالم العربي بسبب احتكار السلطة وشيوع الفساد وغياب الديمقراطية، لكن الاتهامات التي أصبحت توجه الى تلك الأنظمة في ظروف الحرب الراهنة، سواء بالتقاعس أو بالموالاة للطرف الآخر، لم تعمق من تلك الفجوة فحسب، وانما افقدتها رصيد الثقة والاحترام. وفي غياب الشفافية وازاء استمرار التشنج الاعلامي الراهن، لم يتح للناس أن يتبينوا الحقائق. الأمر الذي وسع من نطاق الشبهات وأبقى على بعض الدول في قفص الاتهام .

و اضاف : لاينكر في هذا الصدد أن المقدمات التي تعرف عليها الناس كانت عنصراً مساعداً على تثبيت الاتهامات واثارة الشكوك. ذلك أن اشتراك بعض الدول العربية في حصار الفلسطينيين بالقطاع، ومنعها ايصال المعونات والمواد الاغاثية اليهم، والتلكؤ حتى في السماح للأطباء المتطوعين بدخول القطاع للمشاركة في علاج المصابين، اضافة الى التصريحات السياسية البائسة التي عبرت عن التحامل على الفلسطينيين، وتبرير قيام الاسرائيليين بالمذبحة. هذه العوامل وغيرها اسهمت في تعزيز الشكوك والشبهات. يكفي أنها أثارت عند كثيرين تساؤلات حائرة عن حقيقة مواقف تلك الأنظمة، وهل هي تعبر عن شعوبها حقاً، أم أنها تقف في الاتجاه المعاكس وتعبر عن مصالح ومواقف الأطراف الأخرى .

و اردف القول : لا أظن أننا عشنا زمناً تعمقت فيه أزمة الثقة في بعض الأنظمة العربية، ولا أثيرت حولها الشكوك والشبهات، كهذا الزمن الذي نعيشه الآن. وذلك وجه الخطورة في الموضوع. ذلك أن شعوبنا التي احتملت في السابق ممارسات كثيرة من الأنظمة المختلفة، يصعب عليها ويهينها ويجرح كرامتها، أن تحتمل طويلاً أوضاعاً من هذا القبيل الذي استجد. لا أعرف بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث، لكني فقط أقول أن الممارسات المخزية الراهنة، التي تشعر شعوبنا بالذل والعار، أصبحت تفوق طاقة الصبر عند الناس، خصوصاً أولئك الذين لديهم بالأساس ما يكفيهم من المرارات والأوجاع. وليت الأمر وقف عند حدود المهانة وجرح الكبرياء، لأن المشهد لم يخل من «فضيحة» أيضاً، بعد أن وجدنا فنزويلا تطرد سفير اسرائيل لديها، وموريتانيا تستدعي سفيرها في تل أبيب، وتركيا تعلق اتصالاتها مع اسرائيل، ومهاتير محمد يدعو من ماليزيا الى مقاطعة البضائع الأمريكية، في حين يسود الخرس عواصمنا، ويخيم عليها «صمت الحملان»!.

و اختتم هويدي مقاله متسائلا : هل يمكن بعد الذي جرى أن يتحدث أحد عن السلام مع اسرائيل؟ - أرجو ألا يسارع أحد الى المزايدة علي قائلاً أنني أدعو الى الحرب، التي لم تستبعدها اسرائيل وتتحسب لها باستمرار، لأن ما أدعو اليه حقاً هو سلام مشرف لا يشترط علينا الركوع أو الانبطاح مقدماً. ذلك أن الجنون الذي مارسته اسرائيل في ممارساتها الوحشية في غزة، لم يهدم فقط بيوت القطاع لكنه أيضاً هدم كل ما حاولت اسرائيل أن تبنيه من أوهام السلام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة. وقد شاءت المقادير أن تقدم اسرائيل على محرقة غزة في العام الثلاثين لتوقيع معاهدة السلام مع مصر (عام 1979)، لتطوى صفحتها وتجهز على ما بقي لها من آثار، خصوصاً بعدما أصبح السؤال المركزي في العالم العربي: هو أليس من العار رغم الذي جرى، أن تحتفظ أي دولة عربية بعلاقات من أي نوع مع اسرائيل؟ - بسبب من ذلك، فلعلي لا أبالغ اذا قلت أن نكسة شديدة أصابت أوهام السلام التي حاولت أن تروج لها اسرائيل. اعادتها خطوات بعيدة الى الوراء، حتى أزعم أن اسرائيل قد تحتاج الى عشر سنوات أخرى لكي تعود الى فتح ذات الملف مرة أخرى.

اما الملاحظة الأخيرة التي اوردها هويدي في هذا الصدد فهي : أن اسرائيل حين أرادت أن تحرق غزة فانها حرقت أصدقاءها معها، وفي المقدمة منهم أبو مازن وجماعته الذين كان غاية جهدهم منذ وقعت الواقعة، أنهم جلسوا الى جوار الهواتف يناشدون الآخرين ويستعطفونه، حتى ان أبو مازن لم يجرؤ على الاحتجاج والاعلان عن قطع مفاوضاته مع اسرائيل. الأهم من ذلك أن الجريمة أعادت اللحمة الى الصف الوطني الفلسطيني الذي عانى من التصدعات والانقسام. وهي لحمة يمكن أن تنتقل بالوضع الفلسطيني الى طور مغاير تماماً اذا ما استمرت مقاومة غزة في صمودها الاسطوري. لأن ذلك الصمود اذا ما تحقق فانه لن يختلف في أثره عن عصا موسى، التي ذكر القرآن الكريم أنه حين القاها ( فإذا هى تلقف ما يأفكون ) .
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: