تدريس اللغة الفارسية في أزقة البندقية
عصرایران - عبر القطار الذي كنت جالسة فيه جسراً في وسط البحر.. ضباب كثيف يلف المدينة في كل مكان .. كنت في الطريق من مدينة بولونيا متوجهة إلى فينيسيا.. خرجت من المحطة ..الضباب يغطي فينيسيا (أو البندقية كما تسمى بالعربية) بالكامل. هذا المنظر يذكرني بواحد من أفلام الرعب يعود إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي صورت مشاهده في أجواء مماثلة..نعم..الإجواء هي نفسها والفضاء هو نفسه.. الضباب منخفض جداً وهو يغطي القنوات والجسور والشوارع وكل مكان في المدينة.

تقدمت نحو جسر (سان بلو).. عبرت الأزقة المتداخلة زقاقاً بعد آخر مركزة أفكاري لكي أتجنب الوقوع في خطأ يؤدي بي إلى إضاعة الطريق. ولكن ما الضير في خروجي من الطريق الصحيح، فشوارع المدينة متشابهة ومتداخلة ويؤدي جميعها إلى الآخر.

فجأة عادت بي الذاكرة إلى ما قبل عام عندما أتيت إلى البندقية بغية إجراء مقابلة مع الأستاذ (ريكاردو زيبولي Riccardo Zipoli) الذي يمارس هواية التصوير الفوتوغرافي إلى جانب كونه خبيراً في الدراسات الإيرانية وأستاذاً للغة الفارسية في جامعة (كافوسكاري). نعم.. أذكر جيداً أنني كنت في وقتها هائمة على وجهي في أزقة وطرقات البندقية أبحث عن مبنى قسم اللغات الآسيوية والأوروبية التابع لتلك الجامعة عندما صادفت شخصاً إستفسرت منه عن العنوان، وكم كانت سعادتي كبيرة عندما أجابني بأنه ذاهب إلى هناك. تبعته حتى وصلنا إلى مبنى في جامعة (كافوسكاري) يسمى (كاكابولو). سألني عن المكان الذي أقصده بالضبط لكي يدلني عليه فرددت عليه بأني ذاهبة إلى قسم اللغة الفارسية. وكم كانت دهشتي ومفاجأتي كبيرتين عندما بدأ يكلمني بلغتي الأم قائلاً: آه .. الفارسية؟ هل أنت إيرانية؟ رددت عليه بالإيجاب وأعلمته بأنني أريد الإلتقاء بالأستاذ (ريكاردو زيبولي). أجابني قائلاً: يالها من مصادفة جميلة.. أنا طالب في فرع اللغة الفارسية ومن طلبة الأستاذ (زيبولي) وأنا على موعد معه الآن. دهشت ثانية وسعدت من هذه المصادفة التي إختصرت الطريق علي.

أجل كان ذلك منذ عام مضى والآن أنا أبحث بمفردي عن مبنى (كاكابولو). أخيراً وجدت المبنى.. دخلت لأسأل السيدة الجالسة في قسم الإستعلامات عن الأستاذ (زيبولي). (الأستاذ لديه حصة دراسية الآن وسيعود إلى مكتبه في الساعة الحادية عشرة) هذا ما قالته لي بعد أن إستفسرت منها عن الأستاذ.

نظرت إلى ساعتي.. كانت عقاربها تشير إلى العاشرة وأربعين دقيقة. لقد وصلت متأخرة. وقفت خلف باب الصف الذي كان الأستاذ يلقي محاضرته فيه. طرقت الباب ودخلت.. كان الصف عبارة عن غرفة صغيرة فيها ستة أو سبعة طلاب جالسون وأمامهم الدكتور يقرأ عليهم قصيدة للشاعر الكبير حافظ الشيرازي بالفارسية ويطلب منهم توضيح معناها بالإيطالية. ثم شرح القصيدة وعاود سؤالهم عما إذا كان بإمكانهم ترجمة تلك الأبيات بصورة أخرى غير التي ترجمها هو.

كان جو المحاضرة مفعماً بالصداقة والمحبة رغم قلة عدد الطلاب. كما كان واضحاً بأن الذي دفع بهؤلاء إلى دراسة اللغة الفارسية كان مجرد حبهم لها، لا لأنهم كانوا مجبرين على ذلك.

إنتهت المحاضرة.. بدا (زيبولي) منشغلاً بمحادثة أحد طلبته الذي كان يبدو عليه بأنه لم يكن إيطالياً.

خرجت من الصف مع باقي الطلبة.. إقتربت منهم وعرفتهم بنفسي.. لمحت السرور على محياهم عندما عرفوا بأني إيرانية متواجدة بينهم. دار بيني وبين أحدهم الحوار التالي:

سألته: هل أنت طالب بكالوريوس أم دراسات عليا؟

أجابني قائلاً: نحن جميعاً طلاب في السنة الثانية من مرحلة البكالوريوس.

-هل تحب اللغة الفارسية؟

-أجل.. إني أعشقها. كما إني أدرس اللغة العربية أيضاً إلى جانب الفارسية لكن حبي للفارسية أكبر وفي نيتي مواصلة دراستها قدر ما أستطيع.

- هل أنت قادر على التكلم بالفارسية؟

- قليل جداً، لكني أحاول التكلم بها.

سألته بالفارسية: هل تفهم ما أقوله لك؟

رد علي بفارسية ضعيفة: أنا لا أفهم كل شيء طبعاً لكني أفهم أكثره.

- طبعاً، فمن الطبيعي أن لا تكون قادراً على التكلم بلغة غير لغتك الأم. أنا أيضاً عندما بدأت بتعلم اللغة الإيطالية واجهت صعوبة كبيرة في التحدث بها. في إعتقادي إن التواجد في البيئة الطبيعية وفي مجتمع يتكلم لغة معينة له تأثير كبير على تعلم تلك اللغة.

-أجل. لي صديق عاد من ايران لتوه، أما بالنسبة لي فلم يسبق لي أن سافرت إلى هناك لكني سأزورها بالتأكيد بعد حصولي على شهادة البكالوريوس من أجل مواصلة تعلم اللغة الفارسية.

إنتهى الأستاذ (زيبولي) من حديثه مع طلابه، وبذلك تهيأت الفرصة لي لكي أتقدم إليه للتحدث معه قليلاً فدار بيننا الحوار التالي:

- لماذا عدد طلاب اللغة الفارسية قليل بهذا الشكل؟

-كان العدد يتجاوز العشرين طالباً خلال العام الماضي لكن أغلبهم كانوا يهدفون إلى مجرد التعرف على اللغة الفارسية فقط ولهذا السبب إمتنعوا عن المشاركة في الإمتحان فانخفض عددهم خلال العام الحالي إلى ستة طلاب فقط.

- ما مدى إستيعاب الطلاب لهذه اللغة؟ بعبارة أوضح هل هم يستوعبون اللغة الفارسية ويتعلمونها بسهولة؟

- أجل إنهم يستوعبونها ويتعلمونها بشكل جيد جداً.

- ماهي الطريقة التي يتم بها تدريس مادة اللغة الفارسية في جامعة (كافوسكاري)؟

- كما لاحظت في الحصة التي كنا فيها قبل قليل يتم تدريس اللغة والأدب الفارسي خلال السنة الحالية وهي الثانية من مرحلة البكالوريوس، أما السنة الثالثة فيتم فيها تدريس مادة الترجمة للطلاب. وتتلخص طريقة التدريس في أختيار نصوص فارسية كلاسيكية كغزل حافظ إلى جانب نص معاصر حيث يتم تناول هذين النصين بالتحليل والتمحيص. ويراعى في إختيار تلك النصوص أن تكون مترجمة من قبل إلى اللغات الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. في هذه الحصة الدراسية أطلب من الطالب مطابقة ومقابلة ترجمات مختلفة للنص والعثور على الصلة التي تربط الترجمة بالنص الأصلي وفي نهاية الأمر أطلب منه أن يترجم لي النص إلى الإيطالية.

أما السنة الدراسية الأولى فتدرس فيها مادتان دراسيتان الأولى هي عبارة عن معلومات عامة بشأن الموقع الجغرافي لإيران والثقافة والفن والتاريخ والأديان والتاريخ والحالة الإجتماعية فيها. وهذه المادة تدرس باللغة الإيطالية. أما المادة الدراسية الأخرى فهي قواعد اللغة الفارسية.

كانت الحصة الدراسية قد إنتهت وكان الأستاذ يهم بترك المكان. توادعت مع (زيبولي) وخرجت من قسم اللغات. كان الضباب قد إنقشع وأشعة الشمس الذهبية تسطع في كل مكان من أرض البندقية (أو فينيسا).