رمز الخبر: ۱۱۷۸
تأريخ النشر: 13:12 - 26 November 2007
القدس: أسامة العيسة
طهران ـ عصر إيران ـ تحملت سلطة الآثار الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة بصبر، الهجوم القاسي الذي تعرضت له من قبل مجموعة من الاثاريين والأكاديميين والناشطين اليمينيين الإسرائيليين، بدعوى أنها تمنح الفلسطينيين غطاء لتدمير الآثار في الحرم القدسي الشريف، الذي يطلق عليه الإسرائيليون جبل الهيكل. ولكن هذه السلطة، التي اشرف مندوبون عنها على أعمال مد كابل كهربائي في الحرم، نفذته دائرة الأوقاف الإسلامية، خرجت عن صمتها إزاء الهجوم الذي تعرضت له ووصل المحاكم الإسرائيلية والكنيست، لتعلن، بأنها اكتشفت في الحرم القدسي الشريف لأول مرة قطعا أثرية يعود تاريخها، إلى ما أطلقت عليه عهد الهيكل الأول المقدس لليهود الذي بناه الملك سليمان.

قالت سلطة الآثار الإسرائيلية، في بيان لا يخلو من الحماسة، بأنها اكتشفت قطعا أثرية يعود تاريخها إلى عهد الهيكل الأول المقدس لليهود، الذي بناه الملك سليمان، خلال إشرافها على أعمال للأوقاف الإسلامية في منطقة الحرم. ونشرت السلطةَُ صورا لما كشفته، عبارة عن حطام أوان فخارية، وبقايا عظام من القرن الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد.

ورغم أن ما اعتبرته السلطة كشفا مهما، لا يعتبره غيرها كذلك، لأن أنواع العظام والقطع الفخارية المكتشفة، تظهر مثلها كثيرا في الأراضي الفلسطينية، إلا أنها أصرت على أن ما كشفته يساعد، كما قالت «على تحديد تخوم موقع الهيكل الأول». وأشارت السلطة، إلى ان يوفال باروخ، مسؤول الآثار في القدس، هو من تولى الإشراف على الكشف. وعرض يوفال القطع المكتشفة على طاقم ضم البروفيسور سي جيتن مدير معهد اولبرات للبحوث الأثرية في القدس، والبروفيسور إسرائيل فنكلشتاين من جامعة تل أبيب، والبروفيسور روني رايخ من جامعة حيفا. وخلص هؤلاء، بعد دراسة القطع، أن بإمكانها المساعدة في تحديد أبعاد وحدود الهيكل الأول واعماره.

ولاقى هذا الإعلان استهجانا وصل حد السخرية من فريقين، على طرفي خلاف كبير، الأول الذي عبر عنه الشيخ إبراهيم صرصور، النائب الإسلامي في الكنيست الإسرائيلي الذي وصف ما أعلنت عنه سلطة الآثار بأنه أكاذيب وأراجيف وخاطب الإسرائيليين قائلا «كفوا عن الربط بين المسجد الأقصى والهيكل».

أما الطرف الآخر الذي لم تعجبه نتائج يوفال وفريقه، فكان من علماء الآثار الإسرائيليين المتعصبين الذين قادوا حملة ضد السماح للأوقاف الإسلامية بتنفيذ أعمال لتمديد الكابل الكهربائي.

وبدأت حملة هؤلاء عندما باشرت الأوقاف الإسلامية بمد كابل تحت الأرض، بدلا من السابق التالف، لتزويد المسجد الأقصى، والمسجد المرواني، وقبة الصخرة، ومنشآت أخرى مثل المتحف الإسلامي، بالكهرباء، ومولت المشروع الحكومة الأردنية بمبلغ يصل إلى 200 ألف دينار أردني.
ويعتقد بان السلطات الإسرائيلية، سمحت بعمليات مد الكابل، لعدم إغضاب الحكومة الأردنية التي اتخذت قرارا بتمويل المشروع، بناء على طلب دائرة الأوقاف الإسلامية. وما أن بدأت هذه الأخيرة عملها حتى انطلقت أصوات علماء آثار إسرائيليين، تطالب بمنع العمل.

وشن عالم الآثار الإسرائيلي غابي باركاي، حملة واسعة، والقى بقنبلة إعلامية عندما أعلن للتلفزيون الإسرائيلي، بان الحفريات كشفت عن جدار سميك طوله سبعة أمتار يعتقد انه جزء من الهيكل الثاني المفترض الذي دمر عام 70 م.

وساندت «لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل»، باركاري، وطالبت بالوقف الفوري للأعمال داخل الحرم. وأخذت القضية منحى أوسع، عندما وجه عدد من علماء الآثار، وشخصيات إسرائيلية مهمة، رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت طالبوه فيها بوقف «تدمير الآثار في جبل الهيكل». وخطت «لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل»، خطوة أخرى في نضالها، ورفعت التماسا إلى محكمة العدل العليا الإسرائيلية، طالبت فيه بوقف العمل فورا داخل الحرم. وتجاهلت سلطة الآثار الإسرائيلية الضجة، ورفض متحدث باسمها التعليق قائلا بان التوجيهات التي تلقاها تقضي بعدم الرد «على أية معلومات عن منطقة جبل الهيكل، نظرا إلى حساسية هذا المكان».

ورغم التأييد الواسع الذي تلقته «لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل»، إلا أن أحد الأثاريين الذي عملوا في حفريات المنطقة، شكك في ما أعلنه الدكتور باركاي، عن اكتشاف آثار تعود للهيكل. وقال عالم الآثار دان باهات، بأنه ذهب شخصيا إلى حيث تجري الحفريات الجديدة لمد الكابل الكهربائي، ولم يجد شيئا. واتهم باهات من سماهم «علماء آثار ذوي ميول قومية متشددة» بأنهم «ينفذون حملة منظمة منذ سنوات من أجل تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى».

ورد الشيخ عزام الخطيب مدير الأوقاف الإسلامية، على الحملة الإسرائيلية، قائلا إنه تم التأكد قبل البدء في الحفريات من عدم وجود آثار في المنطقة التي يجري الحفر فيها، والحملة الإسرائيلية لها أهداف أخرى غير الحرص على الآثار.

ولكن «لجنة منع تدمير الآثار في جبل الهيكل»، لم تقبل بالرد الرسمي الإسرائيلي، فلجأت إلى محكمة العدل العليا، وقدمت التماسا، ضد أعمال مد الكابل الكهربائي في الحرم القدسي الشريف، وقدمت حركة أمناء جبل الهيكل المتطرفة التماسا آخر أيضا للمحكمة، وقال ممثلو الحكومة الإسرائيلية للمحكمة بأن أعمال الترميم تجري تحت مراقبة سلطة الآثار وأنها لا تلحق ضررا بالآثار التاريخية.

واصدر قضاة المحكمة قرارا، أمهل الملتمسين 21 يوما لتقديم رأي خبراء اثاريين بشأن الأضرار التي قالوا بأنها نجمت عن أعمال الحفر.

وقبل أن تلتئم المحكمة في جلسة جديدة، جاء إعلان سلطة الآثار الإسرائيلية المدوي الذي أراد أن يقول بأن السلطة لم تكن نائمة أو متواطئة مع الأوقاف الإسلامية أثناء مد الكابل الكهربائي، وبأن مشرفيها كانوا يقظين، فجلبوا معهم القطع الأثرية المكتشفة، وليتم الإعلان على أن ما كشفته سلطة الآثار من اثار تعود للهيكل الأول يجري لأول مرة، وبأنها نجحت فيما فشل فيه الآخرون منذ عام 1967.

ولكن علماء الآثار الذين تزعموا الحملة ضد سلطة الآثار، شككوا في ما أعلنته، وقالت الدكتور ايلات مزار «غطت سلطة الآثار على عملية تدمير الآثار في جبل الهيكل التي نفذتها الأوقاف الإسلامية، والآن يعرضون نتائج هذا التدمير، لكي يبرئوا أنفسهم».

ورغم إعلانها الذي أرادت فيه سلطة الآثار الإسرائيلية إثبات وجودها، إلا أن ذلك لم يمنع لجنة مراقبة الدولة الإسرائيلية، التابعة للكنيست، من المصادقة على قرار بإخضاع جميع الحفريات داخل الحرم القدسي الشريف، لمكتب مراقب الدولة الإسرائيلية، وعدم ترك الموضوع تحت إشراف سلطة الآثار الإسرائيلية وحدها.

وما زالت الأحداث تتوالى، في ملحمة لا يتوقع أن تنته قريبا، تلهب عقول ومشاعر ملايين البشر، منذ قرون وتشعل الحروب، وتختلط فيها الحقوق المشروعة، بتلك المختلقة، والسياسة بالدين، والقوة بالغطرسة، والطموحات الفردية بالدعاوى القومية.

الشرق الاوسط