رمز الخبر: ۱۲۱۸
تأريخ النشر: 16:22 - 27 November 2007
لندن: منال لطفي
طهران ـ عصر إيران ـ الدول مثل الاشخاص، ميلادها يحدد الكثير من مستقبلها. باكستان دولة ولدت مكروهة. مكروهة من الهند التي انسلخت عنها عام 1947 بسبب الدين. كما ولدت مقسمة. قطاع شرقي انفصل لاحقا وكون دولة بنغلاديش. وقطاع غربي هو باكستان كما نعرفها اليوم. ولا بد ان خصائص هذا الميلاد المتعثر لعبت دورا في مستقبل هذه الدولة التي تبلغ من العمر 60 عاما. فهي اليوم تقف على حافة الانقسام بين قبائلها التقليدية التي ما زالت معزولة عن العالم الى حد كبير فلا تعرف طرقا مرصوفة او مستشفيات حديثة او سينما او متاجر، وبين طبقتها الوسطى ومتعلميها الذين يعيشون في إسلام اباد ولاهور وكراتشي وروالبندي،

يستمتعون بنمط حياة على الطراز الغربي، ويتحدثون الانجليزية بدون لكنه باكستانية، ومن بين هؤلاء القضاة والمحامون والصحافيون والناشطون في منظمات حقوق الانسان، وهم يشكلون إحدى القوى المعارضة لمشرف. وعلى النقيض من هؤلاء هناك معارضون آخرون من الاصوليين الاسلاميين يعيشون في المناطق الشمالية الغربية وهم من عرق الباشتون الذي تربطه علاقات دم وقرابة مع باشتون افغانستان.

ما يجمع كل هؤلاء المعارضين اليوم، هو أنهم باتوا معارضين لحكم الرئيس الباكستاني برويز مشرف، لكن بعد الاتفاق على معارضة مشرف، لا يتفقون على شيء. معارضو مشرف من المحامين والقضاة في المدن الكبيرة يأخذون على الجنرال إعلانه حالة الطوارئ، وتعطيله الدستور وتأجيل الانتخابات. فيما معارضو مشرف من قادة القبائل والاصوليين يأخذون عليه حملته ضد الاسلاميين المتشددين في المناطق القبلية وعلى الحدود مع افغانستان. وهناك حالة من السخط بينهم على ما يسمى «الحرب على الارهاب»، فهي أدت الى مقتل مئات الباكستانيين، وشن حملة على المدارس الدينية، واعتقال الكثير من قادة القبائل على الحدود الشمالية الغربية بتهمة دعم «القاعدة». وهذا لم يساعد مشرف كثيرا، فردا على العمليات المشتركة بين الجيش الباكستاني والأميركي على المنطقة الحدودية عززت القبائل من موقفها المناوئ لمشرف والنتيجة ان الاصولي المتشدد الملا فضل الله الذي ينشط مع المئات من عناصر طالبان على المنطقة الحدودية، بات اليوم الحاكم الفعلي لمناطق واسعة على الحدود، ومؤخرا سقطت في يد قواته 3 مدن باكستانية كان آخرها بلدة البيوري، وهي البلدة الرئيسية في منطقة شانجلا الحدودية.
في نظر فضل الله وغالبية قادة القبائل، لا يمكن لأي نظام ان يعمل على تحييد تأثير الدين في باكستان أو إعادة تعريفه بطريقة «معتدلة» لإرضاء الغرب. فباكستان ولدت أساسا بسبب الدين، وليس لأي سبب آخر. (يشكل المسلمون نحو 97% من سكان باكستان، 77% سنة و20% شيعة. أما الهنود والمسيحيون فيشكلون معا نحو 3% من السكان).

ويشير قادة القبائل والأصوليون الى حقيقة ان اسم باكستان ظهر لأول مرة قبل سنوات من تأسيس الدولة ذاتها عام 1947، و وضع هذا الاسم، (باكستان)، الذي يعني بالأردو والفارسي «الأرض النقية»، الكاتب شودري رحمة علي عام 1934 عندما نشر كتابا صغيرا باسم «إما الآن.. او لن يحدث ابدا». عندما كتب شودري رحمة علي كتابه كان ملايين المسلمين يعيشون في الهند كأقلية، ورأى رحمة علي ان هذا الوضع لا بد ان يتغير. فكتب كتابه داعيا الى انشاء دولة نقية «باكستان» للمسلمين الهنود لاحتواء الـ30 مليون مسلم، الذين كانوا يعيشون في البنجاب ومنطقة «ان دبليو اف بي» وهي المناطق التي تشكل اليوم افغانستان وكشمير والسند وبلوشستان. حلم بناء دولة على اساس ديني تحول الى حقيقة بفضل دعم البريطانيين لحركة محمد علي جناح. وعند استقلالها سميت باكستان «الكومنولث الباكستاني»، لكن اعيد تسمية البلد مرة أخرى عام 1956 وسميت «جمهورية باكستان الإسلامية». أما العاصمة فسميت «اسلام اباد» أي «مدينة الإسلام». اما شعار الدولة فبات «اتحاد. تنظيم. يقين محكم»،

لكن الواقع كان مختلفا اذ ان الدولة النقية كانت تعيسة الطالع منذ سنواتها الاولى، على الأقل جغرافيا. فهي عندما استقلت عن الهند عام 1947 لم تكن قطعة ارض متصلة، بل كانت اقليمين مستقلين عن بعضهما البعض يفصل بينهما 1500 كم من الأراضي الهندية. الاقليم الاول كان «باكستان الشرقية» وكان غالبية سكانه من المسلمين البنغال. والاقليم الثاني «باكستان الغربية» وكان يضم أعراقا عديدة من الباشتون الى البلوش مرورا بالبنجابيين.

هذه الولادة المتعثرة رافقتها علاقات جوار قلقة مع الهند أسفرت عن 3 حروب بين إسلام آباد ونيودلهي، حربين كبيرين بين عامي 1947 ـ 1948 ثم حرب عام 1965 حول منطقة كشمير المتنازع عليها. ثم حرب ثالثة عام 1971. أدت الحرب الثالثة الى استقلال مجيب الرحمن زعيم باكستان الشرقية بدولة بنغلاديش، مقتطعا نحو 15% من أراضي باكستان الاصلية. وبينما كانت بنغلاديش منسجمة عرقيا (إذ يشكل البنغال 98% من سكانها)، فإن باكستان لم تكن كذلك، إذ تضم 5 مجموعات عرقية، جعلت هذه الدولة مضطرة للتفاعل مع جوارها الاقليمي سلبا وايجابا، اذ أن مجموعاتها العرقية كانت متداخلة مع الدول المجاورة مثل أفغانستان وإيران والهند، وهم جيران ما زالت باكستان تتخوف منهم حتى اليوم بسبب طول الحدود المشتركة. فباكستان، التي تقع في جنوب آسيا ويحدها من الغرب افغانستان وإيران ومن الشمال الصين ومن الشرق الهند ومن الجنوب بحر العرب، عانت وما زالت تعاني من هذه الحدود الوعرة الصعب جدا السيطرة عليها.

فحدودها مع افغانستان تبلغ 2.430 كليومتر، وحدودها مع الهند تبلغ 2.912 كليومتر، وحدودهــا مع إيـــران تبـلغ 909 كيلو مترات، أما مع الصين فتبلغ 523 كليومترا.

و عند انفصال باكستان عن الهند شكل عرق البنجاب 26% من السكان، والباشتون 6.8%، و السند 5%، والأرديون 3.5%، بالاضافة الى مجموعات عرقية أخرى مثل البــلوش والهنــدوس و السيخ والتاميل وعرق «موهاجير»، وهو الوصف الذي يطلق على المهاجرين من الهند الى باكستان خلال فترة انفصال شبة الجزيرة الهندية الى دولتين، وهو ايضا العرق الذي ينتمي اليه مشرف.

هذا الانقسام العرقي امتزج مع انقسام جغرافي، اذ أن كل العرقيات الباكستانية تعيش في مناطق خاصة بها. ففي إقليم البنجاب يعيش نحو 95% من البنجابيين (البنجاب أكبر الولايات وفيها 60% من السكان، وسكانها من أصول أفغانية وتركمانية وعربية ومغولية وإيرانية. وأغلب هذه القبائل جاءت من الهجرات العربية لشبه جزيرة الهند). أما 90% من عرق البشتون البالغ عددهم 20 مليون نسمة، فيعيشون في شمال غربي باكستان، فيما 90% من عرق السند يعيشون في اقليم السند. ومع أن قبائل الباشتون لا تشكل غالبية سكان باكستان، إلا ان موقعها على الحدود مع افغانستان جعلها فاعلا أساسيا في التفاعلات السياسة الداخلية الباكستانية والاقليمية، اذ يرتبط الباشتون بعلاقات دم وزواج مع باشتون افغانستان، خصوصا بعد الحرب في افغانستان التي أدت الى هجرة ملايين اللاجئين الباشتون الى باكستان.

لكن برغم هذا الماضي المقسم، الا ان التحولات السياسية الأخيرة في باكستان ربما وحدت الأعراق والطوائف المتحاربة. ويقول عبد الغفار عزيز المتحدث باسم الجماعة الاسلامية التي يرأسها قاضي حسين ان المعارضة الباكستانية اليوم ليست منقسمة على أساس ديني او عرقي او سياسي. وتابع عزيز لـ«الشرق الأوسط»: «بفضل سياسات مشرف لم يعد لتقسيم المعارضة بين انصار بوتو وأنصار نواز شريف وأنصار للاسلاميين والنقابات والمحامين معنى. فكلهم انضموا للحركة المعارضة لمشرف بهدف التخلص من الحكم العسكري قبل إجراء الانتخابات المقبلة.. الجنرال مشرف يريد ان يحكم قبضته من خلال الانتخابات المقبلة، الانتخابات مهندسة ومسرحية كي يستمر لمدة 5 سنوات اخرى كرئيس للدولة، بصورة هو يسميها صورة قانونية.

لذلك هناك مظاهرات شعبية في كل المدن. المحامون والقضاة والاعلاميون، وهذا يعني ان المجتمع الباكستاني ينتظر متى يرحل الجنرال ومتى يعود الحكم الديمقراطي للبلاد».

و أضاف «الاحزاب كلها تجتمع على نقطة واحدة وهي ان مشرف لا بد ان يرحل ولا انتخابات في ظل وجوده. بعد رحيله تشكل حكومة مؤقتة متفق عليها بين الاحزاب المختلفة.. اذا حاول مشرف و استطاع ان يستمر في الحكم وان يجري الانتخابات كما أعلنها في يناير (كانون الثاني) المقبل، حتى في هذه الحالة قد تلجأ اغلبية الاحزاب او كلها الى مقاطعة الانتخابات المسرحية وان تستمر في مطالبها بالتخلص من حكم العسكري وإعادة الحياة الديمقراطية». وإذا كانت كراتشي ولاهور وإسلام آباد وروالبندي مدنا حديثة توجد بها طبقات وسطى يمكن ان يقال انها منفتحة على الغرب عموما، وتنتهج في حياتها اليومية اساليب الغرب، فإن هذا نادر جدا في المناطق الحدودية والقبلية، اذ لا يوجد هناك اي وجود للطبقات الوسطى. فالسكان هناك يعيشون على الرعي وعلى الزراعة البسيطة وفي خيام، بدون مدارس او مستشفيات. والكثير من هذه المناطق الحدودية معزولة عن باقي باكستان سياسيا وثقافيا وجغرافيا، وفي غالبية الحالات يحتاج الأمر الى 7 أو 8 ساعات للوصول الى مركز طبي حديث. ولهذا فإن هذه المناطق مستقلة تماما، ولا تثق بالغرباء. ويقول فرانك ليمان مسؤول عمليات الإغاثة في منظمة «وورلد فيجن» الخيرية عن خبرته، عندما كانت المنظمة تقوم هناك بتقديم مساعدات للناجين من زلزال العام الماضي «لأن المنطقة ظلت مغلقة على نفسها لقرون.. فإن سكانها ليسوا على الخريطة، ولاتربطهم بالعالم الخارجي أية صلات منذ نحو قرن».

ولقبائل البشتون التي تسيطر على الاجزاء الغربية من جنوب وزيرستان، كما تسيطر على المنطقة الحدودية بين باكستان وافغانستان، تاريخ طويل من الصراع مع السلطات المركزية في إسلام آباد، اذ قاموا بانتفاضات ضد السلطات المركزية 4 مرات منذ 1947. وحتى اليوم ما زالوا يعتبرون السلطات المركزية في اسلام اباد «اجنبية» و«غير شرعية» و«اداة بيد الاستعمار». اليوم يبسط المقاتلون الاسلاميون المتشددون قبضتهم، على مناطق واسعة من الحدود الشمالية الغربية، التي تبعد ساعات عن العاصمة إسلام آباد. وبسبب هذا الخطر، بالإضافة الى تعطيل مشرف للدستور وإعلان حالة الطوارئ، فإن بي نظير بوتو زعيمة حزب الشعب العلماني التوجه عرضت قبل يومين تحالفا مع الجماعة الاسلامية بزعامة قاضي حسين، مع أنها كانت تقول قبل شهر واحد ان هذا خط أحمر لن تتجاوزه.

لكن تحالف الاسلاميين مع بوتو لا يبدو مرجحا لسببين: اولا الاختلافات الفكرية بين بوتو وبين الاسلاميين من ناحية، والطريقة التي تنظر بها الجماعة الاسلامية لحل الاضطرابات في المناطق الحدودية. فالحل برأى الجماعة الاسلامية لا يكون بعمل عسكري. ويقول عبد الغفار عزيز لـ«الشرق الأوسط»:» هناك خلافات كبيرة بين الاحزاب السياسية خصوصا الدينية وبين بوتو خاصة في ضوء التصريحات التي اطلقتها بوتو قبل عودتها الى باكستان، وبعد الاتفاقية التي وقعتها مع مشرف لدى عودتها. والتي بعدها اسقطت ضدها قضايا الاختلاس والفساد. في ضوء هذه الخلفية كان من الصعب ان يكون هناك تعاون بين بوتو وبقية الأحزاب».

وتابع «التحالف مع بوتو في الانتخابات المقبلة استبعده. لكن ربما هناك احزاب منفتحة على الفكرة وأبوابها مفتوحة للتحالف.. فالمخاطر التي تشهدها الساحة الباكستانية مثل بروز مجموعات مثل فضل الله او غيرها أو منظمات في المناطق القبلية لا يمكن التعامل معها في وجود حكم برويز مشرف. هذه التنظيمات يمكن حل مشاكلها عبر المفاوضات السلمية وهذا لن يحدث في ظل حكومة عسكرية. ربما عبر المفاوضات مع حكومة منتخبة يتم معالجة هذه المشاكل. اذا ظلت هذه الظروف وحكومة مشرف فقد يؤدي ذلك الى فتنة داخلية كبري قد تصل الى درجة الحرب الاهلية».

ومع أن أعين الكثيرين تتجه اليوم الى المدن الساخنة التي تشهد مظاهرات متواصلة ضد مشرف مثل اسلام آباد وكراتشي ولاهور، الا أن مناطق القلق الحقيقية هي في الواقع على المناطق الحدودية. فحركات المتشددين الإسلاميين في هذه المناطق هي التي يمكن ان تؤثر على مستقبل باكستان وتؤدي الى تفككها. اما أهم مناطق الخطر فهي:

1ـ بيشاور: عاصمة الاقليم الحدودي الشمالي الغربي. كانت مسقط رأس «القاعدة» في الثمانينات. وهي مكان لتجمع الجماعات الاصولية، وليس لقوات الجيش فيها وجود كبير.

2 ـ جنوب وزيرستان: هي منطقة مضطربة لا تسيطر عليها السلطات الحكومية، ودائما ما تواجه مقاومة كبيرة من الجيش الباكستاني. وتتركز في وادي شيكاي مراكز تدريب تابعة للجماعات الاصولية. وبحسب التحقيقات التي أجرتها السلطات المركزية، فإن هذه المنطقة كانت نقطة الانطلاق التي خرجت منها محاولات الاغتيال التي تعرض لها الرئيس الباكستاني برويز مشرف.

3 ـ شمال وزيرستان: هي قاعدة رئيس الباشتون العسكري جلال الدين حقاني، الذي قاد القوات الباشتونية خلال حرب وزيرستان ضد باكستان.

4 ـ ميرام شاه: هي بدورها منطقة مضطربة وفيها مقاتلون أجانب من اوزبكستان على علاقة بـ«القاعدة»، بقيادة طاهر يولد أشيف وهو قائد «الحركة الاسلامية الاوزبكستانية»، وهم منتشرون على الهضاب غرب ميرام شاه.

5 ـ وادي سوات: هو نقطة ملتهبة، تقع في منطقة جبلية في الاقليم لحدودي الشمال الغربي، الذي كان في السابق نقطة جذب سياحية، اذ يقع عند اسفل جبال هندو كوش في سلسلة الهملايا، وقد اضحى رمزا لـ«موجة الطلبنة» التي تجتاح باكستان. احتل الاصوليون الباكستانيون بقيادة «فضل الله» الموالي لطالبان أكثر من 50 بلدة وقرية. واليوم تبسط طالبان سلطتها على 80% من الاقليم رغم العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الباكستاني. وقال اللفتنانت جنرال محمد مسعود اسلام وهو اكبر قائد عسكري في الاقليم الحدودي الشمالي الغربي، انه يوجد بين 500 و800 متشدد اجنبي، يتمركزون في سوات، لكنه لم يذكر ان كان بينهم أية شخصية معروفة.

6 ـ دير: منطقة حدودية تخضع بدورها لسيطرة سلطة طالبان. ويستخدم فضل الله الذي يسمى الملا راديو اجهزة الاذاعة لإيصال دعوته بالجهاد ضد السلطات. ويسعى متمردو مولانا فضل الله المطلوب من قوات الامن الى فرض الشريعة الاسلامية في وادي سوات، وإعادة الامارة المستقلة التي لم يتم حلها الا عام 1969. وتؤكد حركة «تنفيذ الشريعة المحمدية» انها تعد آلاف المقاتلين.

7 ـ باجور: مركز قيادة «القاعدة» ويعتقد أنها مقر بن لادن والظواهري. وكان قائد باجور العسكري فقير محمد قد توعد بي نظير بوتو بـ«مصير سيئ» اذ لم تكف عن مهاجمة الجماعات الاسلامية.

8 ـ كويتا: وهي المركز الرئيسي لمقاتلي طالبان في افغانستان. وهناك صعوبة جغرافية وسياسية في دخول هذه الاماكن، فحتى الجيش الباكستاني لا يستطيع الا ان يدخلها سريعا،
ويخرج منها سريعا للقيام بعمليات جراحية، كلفت نظام مشرف أكثر مما افادته.

و وسط كل نقاط الخطر هذه يقف الجيش الباكستاني بمثابة رمانة الميزان، ففي التحليل النهائي هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تمنع تدهور الأمور في باكستان نحو الانهيار الكامل. ورغم أن الجيش الباكستاني، نصف مليون جندي وترسانة نووية، له تاريخ طويل من التدخل في السياسة الباكستانية، إلا أنه لم ينقلب مطلقا على أحد جنرالاته. ولا يطلب قادة المعارضة من الجيش الانقلاب على مشرف، يريدون فقط ان يقف الجيش على الحياد إذا ما قامت حركة شعبية ضد الرئيس الباكستاني. لكن الجيش قد يجد الوقوف على الحياد «انحياز» للمعارضة ضد مشرف على اساس ان هناك مخاطر لا يمكن الصمت إزاءها مثل الاصوليين الاسلاميين الذين ينتشرون في المناطق الشمالية الغربية ويشنون تفجيرات انتحارية في قلب باكستان.

وفي هذا الصدد قال المتحدث باسم الجيش الجنرال وحيد ارشاد «الجيش لا يخوض في السياسة.. نحن مؤسسة تابعة للدولة ونتبع اية اوامر تصدرها لنا الحكومة. ونحن دائما اوفياء للقيادة العليا».

في حالة حياد الجيش، فإن القوى السياسية التي سيكون لها الغلبة بصناديق الاقتراع ليست معروفة بعد. ويقول عبد الغفار عزيز لـ"الشرق الأوسط" ضاحكا «كل الاحزاب تدعي انها الأقوى.. مسوح الرأى العام موجودة بكثرة بعضها يشير إلى حزب بوتو.

الاستطلاعات التي اجرتها بعض المراكز التي تعمل في واشنطن توحي ان حزب بوتو هو الاقوى، لكن هذا ليس صحيحا. هناك تقاسم لأصوات الشعب يتم بين الأطراف الثلاثة الرئيسية حزب نواز شريف، وحزب بوتو والجماعة الاسلامية وتحالف الاحزاب الاسلامية. ولكل تيار مناطق بعينها لنفوذه. تحالف الاحزاب الاسلامية يحظى بالتأييد في الحدود الشمالية. أنصار بوتو اساسا في ولاية السند، حزب نواز شريف يحظى بالتأييد في ولاية البنجاب، وهي أكبر الولايات. ومن ثم قد تأتي خارطة سياسية جديدة من حيث تشكيل تحالفات جديدة في الانتخابات المقبلة»، الا ان عزيز يشدد على ان مشاكل المناطق القبلية خصوصا، التي تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والدينية والسياسية، ومشاكل باكستان عموما لا يمكن ان تحل بدون الحوار مع تحالف الاحزاب الاسلامية الباكستانية. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: الهدف الاساسي الآن هو التخلص من الحكم العسكري وإعادة الحياة الديمقراطية، وان تشكل حكومة مؤقتة وتجري الانتخابات. من يفوز في الانتخابات له حق تشكيل الحكومة لمدة 5 سنوات. ولا اتكهن بفوز أية جهة الآن. بوتو اجرت اتصالا مع حسين قاضي، وقالت انها مستعدة للتعاون معنا. وهذا تغيير في موقفها. فقبل فترة رفضت بوتو في لندن حضور اجتماع للمعارضة الباكستانية، لأنها لم ترض ان تشارك مع الاسلاميين في المؤتمر. الآن غيرت رأيها».

و إذا كانت بوتو غيرت رأيها ونكصت عن وعدها بالتحالف مع مشرف، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة ستشهد حربا مفتوحة بين مشرف من جهة وكل معارضيه من جهة اخري، بعدما قررت المعارضة ان "رحيل الجنرال" حتمي. هذه المواجهة المفتوحة قد تسفر عن أى شيء. عن ولادة ديمقراطية باكستانية جديدة. او عن ولادة دولة "نقية اسلامية" جديدة. لكن الكثيرين غير متفائلين بولادة ديمقراطية، فكما يقول البعض لابد من مجتمع باكستاني أخر، أو شعب باكستاني أخر لخلق ديمقراطية اليوم.