رمز الخبر: ۲۱۲۲۶
تأريخ النشر: 12:47 - 11 March 2010
موقع أثري شيده ملك إيلام (أونتاش نبريشا) في حدود عام 1300 ق.م. وهو يقع على مسافة 45 كيلومتراً الى الجنوب الشرقي من مدينة شوش في محافظة خوزستان (جنوبي ايران).
عصرایران - موقع أثري شيده ملك إيلام (أونتاش نبريشا) في حدود عام 1300 ق.م. وهو يقع على مسافة 45 كيلومتراً الى الجنوب الشرقي من مدينة شوش في محافظة خوزستان (جنوبي ايران).

وفيما يلي نبذة عن رحلة قصيرة إستغرقت يوماً واحداً قام بها مراسل وكالة أنباء التراث الثقافي الإيرانية إلى هذا الموقع الأثري.

تقع شوش على مسافة 110 كيلومترات إلى الشمال من مدينة (أهواز) مركز محافظة خوزستان ويعود تاريخها إلى أواخر الألف الخامس قبل ميلاد السيد المسيح (ع) وهي تعد نقطة تحول في تاريخ الحياة الحضرية في العصور القديمة. تشتمل المدينة على عدد من المرتفعات الأثرية تبلغ مساحتها الكلية زهاء 400 هكتار، تقع بين نهري (دِز) و(كرخة). جغرافياً يمكن تقسم الموقع إلى أربعة أقسام لكل قسم إسمه الخاص وهي: القسم الأعلى في المرتفع وهو قلعة (أكروبول)، والمرتفع الشمالي وهو (آبادانا)، والمرتفع الشرقي الذي يطلق عليه إسم (شهرشاهي)، وأخيراً المرتفعات والأراضي الواقعة في الناحيتين الشرقية والشمالية التي يطلق عليها مجتمعة إسم (شهر صنعتكران= مدينة الحرفيين).

خرجنا من مدينة شوش باتجاه (جغازنبيل) برفقة دليل إسمه علي بويري منجي، وهو عضو في جمعية محبي التراث الثقافي في شوش. بعد خروجنا بقليل مررنا بمدينة تسمى (شاؤور) التي تضم بقايا قصر (شاؤور) أو (قصر أردشير) الذي يعود تاريخ بنائه إلى عصر الملك (أردشير الثاني) وكان يستخدم لفترة من الزمن مقراً للحكومة والسكن. وتقع الآثار الباقية من هذا القصر على الضفة الغربية لنهر (شاؤور) في مواجهة مرقد النبي دانيال (ع).

واصلنا بعد ذلك طريقنا حتى وصلنا إلى أول لوحة مرورية تشير إلى وجهتنا وهي: زقورة جغازنبيل 25 كيلومترا. ثم مررنا بمرتفع (كفتار) الذي كان الأمريكان هم من تعرفوا عليه أول مرة وقد شهد لغاية الآن العديد من الحفريات غير المرخص بها. وكان آخر من قام بإجراء دراسة حول هذا المرتفع خبراء في جمعية محبي التراث الثقافي في شوش.

لوحة مرورية أخرى؛ (زقورة جغازنبيل 15 كيلومترا). بعد دقائق تليها واحدة أخرى (جغازنبيل 6 كيلومترات). وأنت في الطريق إلى (جغازنبيل) يراود ذهنك التساؤل التالي: ترى كيف وصل القدماء إلى هذا المكان النائي ليشيدوا فيه أبنيتهم؟!

على يسارنا يتراءى نهر (دِز)، فيما يشاهد على يميننا معسكر من أيام الحرب المفروضة من قبل النظام البعثي على شعبنا. كما تحيط بالموقع أراض زراعية تعود ملكيتها لأشخاص عاديين. وهنا أوضح الدليل منجي قائلاً: مع تعيين حدود (جغازنبيل) الذي تم الإنتهاء منه مؤخراً صرنا نشعر الآن بشيء من راحة البال من هذه الناحية فلم يعد بأمكان أحد من الآن فصاعداً الإستيلاء على الأراضي المحيطة بها.

شيئاً فشيئاً بدأت تلوح لنا أولى ملامح هذا الموقع الأثري والمتمثلة في زقورة (جغازنبيل)، وهنا أكد لنا الدليل قائلاً: هذه (جغازنبيل)؛ أكبر الزقورات في ايران.

خطونا بضع خطوات في مدخل الزقورة وما أن وضعنا أقدامنا فيها حتى إنتابنا شعور كما لو أننا كنا نتجول في عالم آخر غير عالمنا هذا. ثم تقدمنا قليلاً لتواجهنا لوحة مكتوب عليها: «زيقورات» كلمة أكدية كانت تطلق على المعابد المؤلفة من عدة طوابق في بلاد مابين النهرين وايلام. وزقورة جغازنبيل ذات شكل مربع يبلغ طول أضلاعه زهاء 105مترا، والمواد الإنشائية المستخدمة في تشييد هذا المبنى وكذلك جميع المباني في هذا الموقع الأثري هي اللبِن والآجر.

إن الحصن الأوسط لمدينة (دورأونتاش) كانت له أربعة مداخل إثنان منها في الضلع الجنوبي الشرقي والإثنان الآخران في كل من الضلع الشمالي الشرقي والضلع الجنوبي. وكان أحد المدخلين الكائنين في الضلع الجنوبي الشرقي قد أغلق بعد فترة من إنشاء المدينة. أما المدخل الآخر الكائن في هذا الضلع والذي يقع بجوار المعابد فمن المحتمل أنه كان يستخدم من قبل العائلة المالكة في المراسم الدينية، ومع تآكل أبراج المدخل تم ترميم وإعادة بناء بعض من أقسامه أكثر من مرة عبر التاريخ.

لدى دخولنا للباحة الرئيسية للزقورة تحدث الدليل منجي وقال موضحاً: الباحة مفروشة بالآجر، والزقورة مؤلفة من خمسة طوابق وهي تقع في الحصن الأول من مجموعة مؤلفة من ثلاثة حصون متداخلة تحيط بها وهي، أي الزقورة، تعد بمثابة المركز لمدينة (أونتاش) والحصون المحيطة بها. إن المادة الرئيسة المستخدمة في البناء هي اللـَبـِن المغطى في ظاهره بالآجر. وقد أستخدم الزجاج الملون ونقوش الأزهار في الزخارف التي تزين المبنى.

تجولنا في مختلف الإتجاهات داخل هذه الزقورة التاريخية التي إن دلت على شيء إنما تدل على عظمة وذكاء سكان مدينة شوش القدماء وتطورهم العلمي والمعماري في تلك الحقبة التاريخية. وهنا أضاف الدليل: لم يتبق من معبد جغازنبيل الذي كان إرتفاعه الحقيقي 52 متراً سوى ما يقرب من 22 متراً أي ما يقرب من طابقين فقط.

وصلنا إلى بوابة السلم الشمالي الغربي للزقورة التي تعد الطريق الوحيد للوصول للطابق الأول. وصلنا أنا والدليل الذي معي إضافة إلى عدد من السياح الذين كانوا إنضموا إلينا أخيراً إلى المدخل، ومن دون أن نشعر بذلك وقفنا هناك بإجلال وصمت، إحتراماً لعظمة هذا المعبد وللشموخ والعظمة المستترة في أعماق تاريخه. ثم إقتربنا من المنصات الدائرية الجانبية الكائنة في الباحتين الشمالية الغربية والجنوبية الغربية المجاورة للزقورة ولبوابات السلالم والتي كانت على أغلب الظن تستعمل في الإحتفالات والمراسم الدينية.

وعندما كان الدليل منشغلاً بالرد على إستفسارات وتساؤلات الزوار الذين كان ينتابهم الفضول للحصول على أية تفاصيل عن هذا الأثر التاريخي لفت إنتباهي حجر كبير مستطيل الشكل فيه حفرة. فلمح منجي الفضول في نظراتي فقال: هذا محل عتبة الباب. كانوا يضعونه على الأرض ثم يديرون عتبة الباب عليه.

وهنا بدأ يوضح لي كيف أن أهالي المنطقة كانوا إبان الحرب المفروضة يشكلون سلاسل بشرية حول الآثار التاريخية لمنع وصول المعتدين إليها وتخريبها.

كان لهذه الإيضاحات بالغ الأثر والوقع في نفسي. إن الشظايا وآثار الرصاص التي خلفتها حرب الثمان سنوات مازالت ماثلة للعيان وبالإمكان مشاهدتها بوضوح هنا.حقاً؛ كان خطراً كبيراً محدقاً بهذه الآثار العظيمة مر بالقرب منها لكن الله حفظها من كل مكروه. فالحمد والشكر لله على صيانته تاريخنا والمحافظة عليه شامخاً سامياً. (إن بقاء الآثار التاريخية مدفونة تحت التراب هو أفضل من التنقيب عنها وإستخراجها من باطن الأرض لأن بقاءها تحت التراب هو خير ضمان للحفاظ عليها سليمة وبعيدة عن الأخطار)!؛ هذا ما يراه ويعتقد به الدليل الذي كان معي في هذه الرحلة!؛ على أي حال، إنها وجهة نظر!!.

كنا نبتعد شيئاً فشيئاً عن الزقورة من دون أن نعلم وجهتنا. إبتعد بنا الدليل ليأخذنا خلف التلال الصغيرة، وهناك أشار إلى حفرة كبيرة وجدار مقام أمامها وكأنه سد، وكانت هناك ثقوب متجهة من نهاية الجدار صوب عدد من القنوات. وفي توضيحه لهذا الأثر قال منجي: هذا البناء هو لتصريف الماء. هناك خزان ماء مشيد في الجانب الشمالي الغربي من الحصن الخارجي كان يتصل عبر قنوات مائية بداخل المدينة، حيث كان يتم تأمين مياه المدينة عبر هذه القنوات من نهر (كرخة) الذي يبعد مسافة 45 كيلومتراً من هنا.

حين عودتنا من القناة وأثناء إبتعادنا عن الزقورة حاولت إغتنام ما تبقى لي من مجال ووقت للاستفادة بأكبر قدر ممكن من وجودي هناك للتعرف على الموقع. لاحظت هناك لوحة تشير إلى السلم الجنوبي الغربي وطريقة الصعود للمعبد العلوي. كانت هناك أربعة عشرة منصة هرمية الشكل ومنصات أخرى مرتبة جميعها في سبعة أزواج على شكل صفين في مواجهة السلم الجنوبي الشرقي للزقورة.

عبرنا الحصن الثاني وكنا نمر بمداخل المدينة. في وسط الجدران الملتوية التي كنا نمر فيها إنتابني شعور بأني بدأت أعود إلى عالمي الحالي تدريجياً. أثناء خروجنا من الزقورة مررنا بقرية تسمى (خمات)، قال عنها الدليل موضحاً: كانت قرية (خمات) هي التي تشكل النسيج الإجتماعي لـ (جغازنبيل)، ومنذ شهر تقريباً تم تعريض الشارع الموصل إليها لأنه كان ضيقاً للغاية.

إبتعدت عن الموقع وأنا أشعر بالضيق مودعاً إياه بعد هذه الرحلة القصيرة التي تعرفت خلالها على (جغازنبيل) وعالم الملوك والأباطرة وشعب كان يوماً سبباً في إزدهار هذه المدينة التي تحولت الآن إلى مجرد ركام من رماد.
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: