
عصر ايران ، رضا غبيشاوي
بينما كان محمد حسني مبارك وبعد 30 عاما قضاها
في السلطة يفكر في خيارين اما مواصلة الرئاسة او توريثها لابنه جمال، ظهر
خيار اخر امامه، اذ انهي وباذلال سلطة الشخص الذي لم يتعظ بما لقيه صدام
وبن علي من مصير.
ان "مصر بدون مبارك" تمر الان في مرحلة الانتقال. واي تغير يحدث في مصر
وبسبب خصائصها مثل المساحة الجغرافية والسكان والماضي الحضاري والدور
المحوري في قضايا مهمة مثل القضية الفلسطينية ، قد يؤدي الى حدوث تغيرات في
القضايا الاقليمية.
ورغم ذلك، يرى مراقبون ان تنحي مبارك عن السلطة، قد لا يؤدي الى حدوث
تغيرات اساسية وعميقة في الحكومة المصرية المقبلة، بل ان علاقات القاهرة
مع الاطراف المختلفة ستتجه نحو التوازن. فعلى سبيل المثال يعتقد هؤلاء
المراقبون بان تنحي مبارك، قد لا يؤدي الى قطع العلاقات بين القاهرة وتل
ابيب وان الحكومة المصرية المقبلة قد تقيم الحد الادنى من العلاقات مع
اسرائيل ومع ذلك فان من المستحيل تكرار العلاقات الوثيقة والقريبة التي
كانت سائدة مع اسرائيل في عهد حسني مبارك.
ومن جهة اخرى فان العلاقات بين مصر وايران ستشهد هي الاخرى توازنا. ويتوقع
ان تستانف طهران والقاهرة علاقاتهما الدبلوماسية بعد قطيعة استمرت نحو 30
عاما ويتم اعادة افتتاح سفارتي البلدين في احدهما الاخر.
ومع اي حكومة تتولى زمام السلطة في مصر، فاننا لن نشهد التوتر في العلاقات
الذي كان سائدا ابان حكم مبارك بين ايران ومصر وعلى الارجح ان تنتهي
القطيعة الدبلوماسية التي استمرت على مدى 30 عاما بين البلدين.
ويجب الاخذ بنظر الاعتبار انه على الرغم من رحيل مبارك، لكن التكنوقراط
الذي يمسك بزمام الامور مازال باق في مناصبه الرئيسية واننا لن نشهد تغيرا
شاملا في الكوادر البشرية وتوجهات السياسة الخارجية لمصر على المدى
المنظور على الاقل.
وفيما يتعلق الامر باسرائيل فانه مع سقوط مبارك يمكن القول بالتاكيد بان
اسرائيل خسرت اهم حليف اقليمي لها وانها لن تجد في المستقبل هكذا حليف في
المنطقة.
ان مبارك افرط في التقارب مع اسرائيل والتعاون مع هذا الكيان واقترب اكثر من اللازم من تل ابيب واستجاب لمطالبها.
ان سقوط مبارك يعد ظاهرة "سيئة للغاية" لليمين المتطرف الحاكم في اسرائيل
والذي هو غير مستعد لاعطاء ادنى تنازل للجانب الفلسطيني. لذلك يرى مراقبون
بان اسرائيل ستكون في وضع لا يحسد عليه وتضطر لاعطاء تنازلات من اجل ان
تبقي على معاهدة السلام مع مصر وان تواصل سفارتها نشاطها في القاهرة.
واما حماس ، ومع سقوط مبارك، تكون قد تخلصت من احد اعدائها، ويذهب
المراقبون الى الاعتقاد بان حصار غزة الذي كانت تفرضه اسرائيل بالتعاون مع
مصر من خلال اغلاق الاخيرة لمعبر رفح، سينتهي وستواجه اسرائيل صعوبات في
مواصلة حصار غزة من خلال معبر رفح وستكون حماس في موقع اقوى من السابق.
كما ان قطاغ غزة سيشهد وضعا اقتصاديا افضل، وهذا الامر سيخفض من الضغوط على
حماس التي ستكون في موقع اقوى في وجه اسرائيل وفتح ومحمود عباس واميركا
وباقي الدول العربية.
وفيما يتعلق الامر بفتح والسلطة الفلسطينية يمكن القول بان فتح والسلطة
الفلسطينية فقدتا اثر تطورات مصر، احد اهم حلفائهما ولذلك فان هذا التطور،
يعد حدثا سلبيا بالنسبة لفتح ومحمود عباس. وسيكون محمود عباس في موقع اضعف
امام حماس.
ان محمود عباس وخلال المظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها مصر ضد حسني مبارك،
منع اقامة المسيرات والمظاهرات في مناطق السلطة الفلسطينية تاييدا للشعب
المصري الذي ثار ضد مبارك.
ان تنحي مبارك عن السلطة، سيترك احد اهم اثاره وتبعاته على القضية
الفلسطينية وسيشكل براي المراقبين عامل ضغط لخروج القضية الفلسطينية من
المازق الذي هي عليه الان. وقد تزيد اميركا من ضغوطها على اسرائيل للتوصل
الى نتيجة ترضي عباس بشكل ما.
وفيما يتعلق الامر باميركا، فانها ستحاول ان يكون للتكنوقراط والليبراليين
دور كبير في مستقبل مصر والا تزول الطاقات والامكانات المصرية في عملية
انتقال السلطة. والا يتم الغاء او تجاهل معاهدة السلام الموقعة بين مصر
واسرائيل، من قبل الحكومة المصرية المقبلة. وتسعى اميركا بان تبقي الحكومة
المصرية الجديدة، على علاقاتها مع اسرائيل حتى وان كانت في مستوى ادنى مما
كان سائدا في عهد مبارك والا يطرأ تغيير على الاعتراف الرسمي المصري
باسرائيل.
ان اميركا التي ستذكر على الدوام بالمصير الذي لقيته مصر وتونس، ستمارس على
الارجح المزيد من الضغوط على الدول العربية غير الديمقراطية لارغامها على
ايجاد الاصلاحات البنوية والاساسية الاسياسية – الاقتصادية، لكي تحول دون
تكرار احداث مصر وتونس في هذه الدول.
واما الدول العربية التي تملك معظمها هياكل واطر غير ديمقراطية، ستحاول
انجاز اصلاحات سياسية – اقتصادية على مختلف المستويات لكي تتحاشى ما حدث في
مصر وتونس، اللهم الا اذا كانت قد اتعظت باحداث مصر وتونس والا تعتبر
الاستقرار الحالي فيها مؤشر على رضا شعوبها بها.
كما ان الاطاحة بنظامي الحكم في تونس ومصر بفعل الثورات الشعبية وبدعم من
التقنيات ووسائل الاعلام الحديثة بما فيها الفضائيات والانترنت ، سيدفع
سائر الدول العربية الى دراسة اساليب مقاومة هذا النوع من الثورات.