اسمع الناي معربا عن شكاته/بعد أن بات نائيا عن لداته ـ قائلا في شكاته للعباد/بعد صحبي ما ذقت طعم الرقاد (جلالالدين الرومي)

اسمع الناي معربا عن شكاته
بعد أن بات نائيا عن لداته
قائلا في شكاته للعباد
بعد صحبي ما ذقت طعم الرقاد
(جلالالدين الرومي)
أعطني الناي و غنّ
فالغناء سر الوجود
و أنين الناي يبقی
بعد أن يفنی الوجود
(جبرانخليلجبران)
ميلاده ونشأته
وُلد "جلال الدين محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" بفارس في (6 من ربيع الأول 604هـ /30 من سبتمبر 1207م) لأسرة قيل: إن نسبها ينتهي إلى "أبي بكر"، وتحظى بمصاهرة البيت الحاكم في "خوارزم"، وأمه كانت ابنة "خوارزم شاه علاء الدين محمد".
وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى انتقل مع أبيه إلى "بغداد" سنة [607هـ / 1210م] على إثر خلاف بين أبيه والوالي "محمد قطب الدين خوارزم شاه". وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، ولكنه لم يستقر بها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها "دمشق" و"مكة" و"ملسطية" و"أرزبخان" و" لارند"، ثم استقر آخر الأمر في "قونية" في عام [632هـ / 1226م] حيث وجد الحماية والرعاية في كنف الأمير السلجوقي "علاء الدين قبقباذ"، واختير للتدريس في أربع مدارس بـ"قونية" حتى توفي سنة [628هـ / 1231م]، فخلفه ابنه "جلال الدين" في التدريس بتلك المدارس.
جلال الدين و التصوف
وقد عُرف "جلال الدين" بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، إلا أنه لم يستمر كثيرًا في التدريس؛ فقد كان للقائه بالصوفي المعروف "شمس الدين تبريزي" أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية؛ فمنذ أن التقى به حينما وفد على "قونية" في إحدى جولاته، تعلق به "جلال الدين"، وأصبح له سلطان عظيم عليه ومكانة خاصة لديه.
وانصرف "جلال الدين" بعد هذا اللقاء عن التدريس، وانقطع للتصوف ونظْمِ الأشعار وإنشادها، وأنشأ طريقة صوفية عُرفت باسم "المولوية" نسبة إلى "مولانا جلال الدين".
اهتم "جلال الدين الرومي" بالرياضة وسماع الموسيقى، وجعل للموسيقى مكانة خاصة في محافل تلك الطريقة، مخالفًا في ذلك ما جرى عليه الإسلام، وما درجت عليه الطرق الصوفية ومدارس التصوف.
جلال الدين شاعرًا
اتسم شعر "جلال الدين الرومي" بالنزعة الصوفية الخالصة؛ فقد كان شعره أدبًا صوفيًّا كاملا، له كل المقومات الأدبية، وليس مجرد تدفق شعوري قوي، أو فوران عاطفي جياش يعبر به عن نفسه في بضعة أبيات كغيره من الشعراء، وإنما كان شعره يتميز بتنوع الأخيلة وأصالتها، ويتجلى فيه عمق الشعور ورصانة الأفكار، مع سعة العلم وجلال التصوير وروعة البيان.
ويُعد "جلال الدين" شاعرًا من الطبقة الأولى؛ فهو قوي البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، يوضح المعنى الواحد في صور مختلفة، له قدرة على توليد المعاني واسترسال الأفكار، ويتسم بالبراعة في انتقاء الألفاظ واختيار بحور الشعر، وتسخير اللغة والتحكم في الألفاظ.
وتصل قمة الشاعرية عند "جلال الدين الرومي" في رائعته الخالدة "المثنوي المعنوي"، وقد نظمها لتكون بيانًا وشرحًا لمعاني القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة المطهرة؛ ليكون ذلك هدفًا إلى تربية الشخصية الإسلامية وبنائها، وزادًا له في صراعه مع قوى الشر والجبروت، وعونًا له على مقاومة شهوات النفس والتحكم في أهوائها، وتكشف "المثنوي المعنوي" عن ثقافة "جلال الدين الرومي" الواسعة، والتعبير عن أفكاره بروح إنسانية سامية، تتضاءل إلى جوارها بعض الأعمال التي توصف بأنها من روائع الأعمال الأدبية.
وقد استخدم "جلال الدين" في "المثنوي المعنوي" فن الحكاية بإتقان بارع، وهي في حركتها وتطورها وحوارات أشخاصها لا تقل روعة عن بعض القصص المعاصر، وتتميز الشخوص بأنها ثرية متنوعة في تساميها وعجزها ونفاقها وريائها، وحيرتها بين الأرض وما يربطها بها، وبين السماء وما يشدها إليها، كل ذلك في تدفق وانسياب غامر، وعرض شائق، وأسلوب جذاب أخَّاذ ولغة متميزة.
أهم آثاره
ترك جلال الدين الرومي عددًا من المصنفات الشهيرة منها:
ـ المثنوي المعنوي: وقد نظمه في ستة مجلدات ضخمة تشتمل على (25649) بيتًا من الشعر، وقد تُرجم إلى العربية، وطُبع عدة مرات، كما تُرجم إلى التركية وكثير من اللغات الغربية، وعليه شروح كثيرة، وهو كتاب ذو مكانة خاصة عند الصوفية.
ـ ديوان "شمس تبريزي": ويشتمل على غزليات صوفية، وقد نظمه نظمًا التزم فيه ببحور العروض، وهو يحوي (36023) بيتًا بالإضافة إلى (1760) رباعية، ويشتمل أيضا على أشعار رومية وتركية، وهو ما يدل على أنه كان متعدد الثقافة، وأنه كان على صلة بعناصر غير إسلامية من سكان "قونية".
ـ "فيه ما فيه": وهو عبارة عن حشد لمجموعة ذكرياته على مجالس إخوانه في الطريقة، كما يشتمل على قصص ومواعظ وأمثال وطرائف وأخبار، وهو يخاطب عامة المثقفين على عكس كتابه الأول الذي يخاطب خاصة الصوفية.
"المجالس السبعة": وهو يشتمل على سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها أثناء اشتغاله بالتدريس.
وذلك بالإضافة إلى مجموعة رسائله، وفيها تلك الرسائل التي وجهها إلى شيخه "شمس الدين تبريزي"، وهي تصور تلك العلاقة الروحية السامية التي ربطت بين الشيخ "شمس الدين" وبين مريده "جلال الدين"، تلك الرابطة الوثيقة من الحب المتسامي الرفيع.
توفي "جلال الدين الرومي" في (5 من جمادى الآخرة 672 هـ / 17 من ديسمبر 1273م) عن عمر بلغ نحو سبعين عامًا، ودُفن في ضريحه المعروف في "قونية" في تلك التكية التي أنشأها لتكون بيتًا للصوفية، والتي تُعد من أجلِّ العمائر الإسلامية وأكثرها روعة وبهاء بنقوشها البديعة وزخارفها المتقنة، وثرياتها الثمينة، وطُرُزها الأنيقة.
وقد ظهر على الضريح بيت من الشعر يخاطب به "جلال الدين" زواره قائلا:
"بعد از وفات، تربت ما در زمين مجوى
درسينههاي مردم عارف مزار ماست
و معناه:
يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال
قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال
أهم مصادر الدراسة
ـ تاريخ الأدب العربي: كارل بروكلمان – أشرف على الترجمة: أ.د. محمود فهمي حجازي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة: 1413 هـ / 1993م، - القسم الرابع: 7-8.
ـ دائرة المعارف الإسلامية: هـ. سما – فنسنك – كب – هفنك – ليفي بروفنسال- ترجمة: إبراهيم زكي خورشيد – أحمد الشنتناوي – د. عبد الحميد يونس – دار الشعب – القاهرة: [د.ت] – المجلد: 12.
ـ مولانا جلال الدين الرومي وجولة في ديوانه شمس تبريزي: د. مختار الوكيل – مجلة المنتدى بالعدد الأول – السنة الأولى: صيف 1978م.
- مثنوي معنوي مولانا جلال الدين الرومي - ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا – الزهراء للإعلام العربي – القاهرة 1412 هـ / 1992م.
و هذه هي ترجمة و شرح قصيدته المعروفة "شكوی الناي" (ني نامه) باللغة العربية و التي يبدأ بها الشاعر ديوانه «المثنوي المعنوي»:
- استمع للناي كيف يقص حكايته.انه يشكو آلام الفراق (يقول):
اسمع الناي معربا" عن شكاته
بعد أن بات نائيا عن لداته
- "إنني منذ قطعت من منبت الغاب.والناس رجلا" ونساء يبكون لبكائي "
قائلا في شكاته للعباد
بعد صحبي ما ذقت طعم الرقاد
- إنني انشد صدرا مزقه الفراق، حتى اشرح له ألم الاشتياق
من جروح ترى بصدر الحزين
ابعث الصوت مشبعا بالأنين
فكل إنسان أقام بعيدا" عن أصله، يظل يبحث عن زمان وصله
كل من فارق الديار اقتسارا"
يطلب الوصل ليله والنهارا"
- لقد أصبحت في كل مجتمع نائحا، وصرت قرينا للبائسين والسعداء
فتراني بكل واد أنوح
وفؤادي من الغرام جريح
- وقد ظن كل إنسان انه قد أصبح لي رفيقا، ولكن أحدا" لم ينقب عما كمن في باطني من الأسرار.
كل شخص يظنني من صحابه
وهو عن سر نوحي في حجابه
- وليس سري ببعيد عن نواحي، ولكن أنى لعين ذالك النور أو لأذن ذالك السمع الذي به تدرك الإسرار؟ .
وقريب من نوحتي سر نفسي
لو بسمع الأنام قوة حسي
و ليس الجسم بمستو عن الروح ،ولا الروح بمستور عن الجسم ،ولكن رؤية الروح لم يؤذن بها لإنسان .
كل روح من جسمها من إهاب
والفتى عن شهودها في حجاب
- إن صوت الناي هذا نار لا هواء، فلا كان من لم تضطرم في قلبه مثل هذه النار
نوحة الناي لفحة من سعير
لا هواء، فلا تكن بالغدير
- وهذه النار التي حلت في الناي هي نار العشق ،كما ان الخمرة تجيش بما استقر فيها من فورة العشق .
تلك نار بقلبه وهيام
حين جاشت من الغرام المدام
ان الناي نديم لكل من فرقه الدهر عن حبيب، وان انغامه قد مزقت ما يغشي أبصارنا من حجب .
هو خل لكل صب غريب
و(نوا)ه شقت حجاب القلوب
- من رأى مثل الناي سما" وترياقا"؟_من رأى مثل الناي رفيقا مشتاقا"؟.
هو فينا مصاحب ومشوق
وحياة لنا وموت حقيق
ان الناي يروي لنا حديث الطريق الذي ملأته الدماء، ويقص علينا قصص عشق المجنون .
كم روى قصة لصب صريع
بطريق ملطخ بالنجيع
و هذه الحكمة (التي يرويها )قد حرمت على من لا عقل له، فليس هناك من يشتري بضاعة اللسان سوى الأذن.
افأهل الإحساس من لا يحس
ونتاج العقول في السمع رس
- لقد أصبحت أيامنا متشابهات في الهموم ، وصارت الحرق والآلام ملازمة لهذه الأيام .
افقد الغم حسنا بالزمان
وتداعى لمحونا النيران
فإذا ذهبت الأيام فقل “اذهبي، فلا خوف لدينا من (من ذهابك)ولتبق أنت يا من ليس لك نظير في الطهر والنقاء ".
قل لنكد السنين مري سراعا
ان من بات طاهرا لن يراعا
- كل من لم يكن من فصيلة السمك فانه يشبع من الماء، وكل من كان بلا رزق طال يومه.
سمكا ان تكن فلست لتروى
يا مهيبا بالحظ من غير جدوى
ولا يستطيع غير ان يدرك حال من أنضجتهم التجارب ،فلنقصر القول على ما قلناه ولنكتف به .
لم يكن للعليل حال المعل
فلا قصر من الحديث الممل
كل شرح مصحوب بإشارة (-) من ترجمة الشاعر محمد الفراتي والقصيدة مأخوذة من الجزء الأول والثاني من (مثنوي معنوي) الذي ترجمه عن الفارسية وجاء في ستة مجلدات.