طهران - عصر ایران : ثمة من يتعمد التصيد في الماء العكر ،باثارة تساؤلات وعلامات استفهام بشأن "خطر تنامي النفوذ الايراني" في العراق، علی خلفية اجندة مسبقة ودوافع كيدية ، يراد من خلالها العودة بالاوضاع بين طهران و بغداد ،الی ما كانت عليه الحالة ايام الحكم العفلقي الصدامي (17 تموز 1968 – 9 نيسان 2003 م) .
ويترافق هذا التوجه البغيض مع التصعيد الاميركي - الاسرائيلي حيال الجمهورية الاسلامية الايرانية بدعوی تمسك طهران بحقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية.
الحقيقة يمكن القول ان تواؤم هذين التحركين الاستفزازيين لايبعد كثيرا عن مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي اطلقته كوندوليزا رايس مع بداية اشعال الحرب الصهيونية العدوانية علی لبنان صيف 2006 (12 تموز – 14 آب) في سياق المخططات الاميركية الاستكبارية لتفتيت المنطقة ، والاستفراد بدولها وبالتالي تطويعها لاملاءات البيت الابيض التسلطية بشكل كامل.
ان المرء ليحار عندما يسمع مواقف وتصريحات تستهدف القاء ظلال من الشك والريبة علی العلاقات الايجابية والاخوية القائمة بين ايران والعراق في الوقت الحاضر، علی حين ان مثيري الفتن والعداوات ، يتقصدون التعامي عن حقيقة ساطعة وهي ان الذي يحتل بلاد وادي الرافدين، هم الاميركان والبريطانيون والصهاينة والقوی الغربية المتحالفة معهم ، وليس الايرانيين.
لكن اذا اراد الحاقدون والحاسدون تزييف الوقائع وتسويق الاباطيل وتقلیب الامور، فهذا شأنهم و "كل اناء بالذي فيه ينضح"، بيد ان هؤلاء يجب ان يدركوا بانهم ليسوا قادرين علی الاستمرار في ممارساتهم التضليلية الی الابد، لان "حبل الكذب قصير".
فمنذ سقوط بغدد المريع اثر الاحتلال العسكري الاميركي، شاهد العالم باسره كيف عمدت واشنطن الی اشاعة الفوضی والاضطراب والتدهور في العراق، وتقويض مقومات الدولة والحكومة معا في هذا البلد الشقيق ، وكيف اطلقت العنان للارهابيين والتكفيريين واللصوص ، لبث الرعب والفزع والفلتان الامني هناك !
ان الافلام الوثائقية والشواهد الاعلامية مازالت ماثلة للعيان امام العالم الذي رای بأم عينيه حجم التجاهل المقصود الذي ابدته اميركا للملف الامني والاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق ، علی الرغم من ان المعاهدات الدولية توجب علی القوی الغازية تحمل مسؤولياتها بالكامل، من اجل صيانة الارواح والممتلكات والاستقرار والسلم الاهلي في البلدان المحتلة .
في ظل هذه الظروف المأساوية والاليمة معا،لم يجد العراقيون حكومة و شعبا خيرا من طهران لمد يد العون والاغاثة والمساندة اليهم.
ان الجمهورية الاسلامية الايرانية كانت والی الان أول من أرسی جسور التواصل والتكافل والتعاون مع بغداد سياسيا و اقتصاديا واعلاميا وجماهيريا وفي مختلف المجالات، وهي لم تدخر وسعا لاعمار البنی التحتية في العراق والتي دمرتها آلة الحرب الاميركيه عمدا و بشكل مدروس.
وفي هذا المضمار تتوافد قوافل الزوار الايرانيين علَی العتبات المقدسة ومزارات ائمة آل البيت النبوي الشريف (عليهم السلام) في النجف الاشرف وكربلاء ، بعشرات الالاف شهريا في اطار اتفاقية وقعتها منظمة الحج والزيارة الايرانية مع الحكومة العراقية ، للتأكيد علی اهمية الانفتاح والتواصل بين شعبي البلدين الجارين والشقيقين ، علی الرغم من محاولات النظام الصدامي البائد لايقاع الفتنة القومية والطائفية والبغضاء ، بين مسلمي العراق وايران علی اثر حرب الثمان السنوات ، وبعدها من خلال تأزيم العلاقات الثنائية باستمرار وعبر خلق مبررات واهية لادامة حالة التخاصم.
وقد اختلطت الدماء الايرانية البريئة مع دماء ابناء الشعب العراقي جراء الاعمال الارهابية للتكفيريين والارهابيين في مدن النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية قبل الجريمة الطائفية النكراء بتفجير حرم وضريحي الامامين العسكريين (محرم 1426 هجري) ، الامر الذي دفع المسؤولين في بغداد الی مناشدة طهران، عدم ايفاد الزوار الايرانيين الی الكاظمية وسامراء ، حفاظا علی ارواحهم وحتی تتم السيطرة تماما علی الطرق والمسالك المؤدية الی العتبات المشرفة في هاتين المدينتين.
كما يشهد الجميع علی ان سفارة الجمهورية الاسلامية الايرانية في بغداد بقيت قائمة تؤدي واجباتها السياسية والدبلوماسية والقنصلية دون انقطاع، رغم تدهور الاوضاع والاستقرار هناك و قد استشهد المستشار الاعلامي للسفارة السيد خلیل نعيمي في عملية اغتيال آثمة اثناء القيام بمهامه الرسمية بعد شهور قليلة من الاحتلال للعراق.
ان هذا الاندفاع المخلص والصادق للدبلوماسية الاسلامية الايرانية لم يعجب القوات الاميركية ، ماجعلها تعمد الی اختطاف السكرتير الثاني للسفارة في بغداد السيد شرفي واخلاء سبيله بعد مدة طويلة من اخضاعه لشتی اشكال التعذيب الجسدي والنفسي، كما اختطف المحتلون خمسة دبلوماسيين كانوا يعملون في القنصلية الايرانية في مدينة اربيل في اقليم كردستان العراق، بحجة انهم اعضاء في حرس الثورة الاسلامية الايرانية !؟ بالاضافة الي خطف المنسق الاقتصادي لمحافظة كرمانشاه السيد محمد فرهادي، لنفس الاتهام ، الی جانب القاء القبض علی العديد من الزوار الايرانيين وايداعهم السجون الرهيبة لقوات الاحتلال الاميركي دون وجه حق وبعيدا عن كل الاتفاقيات الدوليه المنظمة العلاقات بين البلدان ولاسيما بين دول الجيران.
ولقد اثارت هذه الاجراءات التعسفية قلق وهواجس الحكومة العراقية ممثلة بدولة الاستاذ نوري المالكي رئيس الوزراء الذي وعد و فريقه الحكومي السلطات الايرانية بمتابعة هذا الموضوع والعمل علی الافراج عن السجناء علی وجه السرعة.
و علی رغم من حدة النزعة العدائية الاميركية لطهران ، الا ان ذلك لم يمنع الجمهورية الاسلامية الايرانية من الاستجابة لطلبات الدولة العراقية باجراء محادثات ثلاثية لانقاذ الاوضاع السياسية والاجتماعية الكارثية جراء الفوضی التي اوجدها الاحتلال الغاشم في العراق الجريح، حيث يؤكد المسؤولون في طهران انهم قبلوا بالجلوس الی طاولة واحدة مع اعدی اعداء ايران (اي الاميركان) لا لشئ ، الا ليعود الامن والاستقرار واقامة دعائم السيادة الوطنية مجددا في العراق.
ولاشك بان الجمهورية الاسلامية الايرانيه كانت اول من اوفد كبار مسؤوليها الی بغداد بدء بوزير الخارجية السابق السيد كمال خرازي، وانتهاء بالزيارات المتكررة التي قام بها وزير الخارجية السيد منوجهر متكي والامين السابق للمجلس الاعلی للامن القومي، وينتظر ان يتوج هذا التواصل الرسمي بالزيارة المرتقبة التي سيقوم بها السيد الرئيس محمود احمدي نجاد رئيس الجمهورية الی بغداد تلبية لدعوة نظيره ورئيس الوزراء العراقيين السيد جلال طالباني والسيد نوري المالكي اللذين زارا طهران كلا علي انفراد علی رأس وفد رفيع المستوی لمناقشة سبل تطوير العلاقات وتوسيع مجالات التعاون الثنائي اكثر فاكثر.
ولاشك بان مثل هذا المستوی من التلاقي والتفاهم الاخوي والودي بين بغداد وطهران ، يثير حنق و تحامل الرئيس الاميركي جورج بوش وفريقه الجمهوري المتطرف في واشنطن، ما يجعلهم يطلقون تهديداتهم علنا الی العاصمتين من جهة ، ويحركون ادواتهم في داخل العراق وخارجه لتوتير الاجواء الايجابية القائمة بين البلدين، اللذين تجمعهما اواصر الجيرة والتاريخ والدين والمصير المشترك من جهه اخری.
من هنا يمكن منهم خلفية الاجندة والاحقاد التي يحملها بعض السياسيين المعروفين بولائهم المطلق للاستكبار العالمي بزعامة اميركا ، ضد ايران ، وجنوحهم دوما الی التحذير من خطر تنامي النفوذ الايراني ، علی شاكلة مواقف رئيس الوزراء العراقي الاسبق اياد علاوي.
لكن المؤكد ان كلا من بغداد وطهران ، تدركان اهمية التعاون المصيري بينهما في الوقت الحاضر، لانه يصب في خدمة انقاذ العراق من محنته حتما ، اضافةالي انه سيفوت الفرصة علی المحتلين الاميركان وحلفائهم من تحقيق مخططاتهم الجهنمية ، للاخلال بالامن الاقليمي ، وتعكير اجواء الصداقة والاخوة القائمة بين ابناء المنطقة العربية والاسلامية ، ناهيك عن مساعيهم لنهب ثرواتهم الوفيرة ، وادامة جهودهم لتعزيز دور الکیان الصهيوني الهجين في الشرق الاوسط.