رمز الخبر: ۱۳۵۴
تأريخ النشر: 17:29 - 03 December 2007
سمير شمس
طهران ـ عصر إيران ـ يروي كتاب جورج تنيت «في قلب العاصفة»، المترجم حديثاً إلى العربية، شهادة إحدى الشخصيات الأساسية في صنع القرار الأميركي. فقد كان رئيس الاستخبارات المركزية الاميركية، في الفترة الأكثر إثارة للتحديات في التاريخ الحديث. في كتابه هذا، يحلل الأحداث المتشابكة التي أفضت إلى أحداث 11/9. ويقدّم معلومات جديدة، كاشفاً عن الخلفيات التي أدّت إلی إعلان الحرب على القاعدة والإرهاب، والعمليات السرية التي قامت بها الـ سي.آي .ايه. داخل أفغانستان، وخطط محاربة الإرهاب، ومقدمات غزو العراق. فيرسم صورة لرجل عالق بين القوى المتصارعة صاحبة القرار في الإدارة الأميركية.

أمضى جورج تنيت حياته المهنية كرجل مخابراتي، فعندما سمّاه الرئيس كلينتون عام 1997 مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية C.I.A لم يجرِ معه الكونغرس المقابلة المعتادة لتكريس تعيينه، لأن أعضاء الكونغرس كانوا يعرفون ماذا يمثّل، ولم يطرح عليه سؤالاً عما يعتزم عمله، أو ما هي التغييرات التي قد يجريها، أو كيف ينوي رفع المعنويات في مكان شهد أربعة مديرين في خمس سنين، لأنه سبق أن قاد إدارة هذه المؤسسة بالوكالة لسنتين، وكان قبلها في بداية عهد كلينتون في عداد موظفي مجلس الأمن القومي، وقبل ذلك مديراً لموظفي اللجنة المختارة للاستخبارات في مجلس الشيوخ. وخلال ذلك نسج علاقات شخصية ومهنية دافئة مع أعضاء المجلس وكبار مسؤولي وكالة الاسخبارات المركزية.

يقول المؤلف: تعاملت السياسة الأميركية قبل أحداث 11/9 مع الإرهاب باعتباره مشكلة أمن. وخصصت وزارة العدل جهوداً كبيرة لجمع الأدلة التي يمكن استخدامها في المحكمة لجلب الإسلاميين العدوانيين إلى المحاكمة بتهم التآمر على ارتكاب الجرائم. فأدين بن لادن في يونية/ حزيران 1998 بتهم التخطيط لقتل جنود أميركيين في اليمن قبل ست سنوات، وبعد خمسة أشهر، أدين ثانية، بسبب تفجير السفارتين في شرق أفريقيا. ولا يمكنني أن أتصور أن ذلك كدّر صفوه لأنه يعيش مرتاحاً في ملاذه الأفغاني.

بعيداً عن الإجراء القانوني، ثمة مساران يستطيع أي بلد اتباعهما لمواجهة تهديد مثل بن لادن. استخدام القوة العسكرية العلنية، أو القدرات السرية لأجهزته الاستخباراتية. وقد حاولت إدارة كلينتون اتباع النهجين، لكن متطلبات جعل كل من هذين النهجين ناجحاً تختلف اختلافاً كبيراً.
كان القبض على بن لادن يحتاج إلى معلومات استخبارية محددة غير متوفرة، ليس عنه فحسب إنّما عن بنيته القيادية بأكملها. ولم يكن هذا ممكناً دون أن نوقع الفوضى في بيئة القاعدة،

ونجبرهم على الخروج من منطقتهم المريحة، وندفعهم إلى الهرب وارتكاب الأخطاء. لكننا فشلنا لأن الإدارة كانت تخشى على استقرار الحكومة الباكستانية، فانتظرنا طويلاً، فسمحنا لطالبان والقاعدة بالبقاء مرتاحين. ولو فُوضنا هزهم وإخافتهم، لربما حصلنا على المعلومات التي كان يمكن أن تجنبنا الكارثة المقبلة.

حاول المؤلف إقناع الإدارتين بأن التهديد الإرهابي سلسلة متصلة. «وان ما حدث لسفارتينا في شرق أفريقيا والمدمرة «كول» يمكن أن يحدث هنا». والآن لا يمكن تجاهل هذا التواصل. فقد أصبح هناك وهنا المكان نفسه. وبات العالم مسرح حرب واحدا.

كان المؤلف على قناعة بأن هجمات 11/9 بالنسبة إلى القاعدة هي مجرد الطلقة الأولى. لذا أقنع الرئيس بخوض الحرب ضد الإرهاب، «واستطعنا تحقيق نجاحات لثلاثة أسباب: أولها، أن القاعدة فقدت الملاذ الآمن، واعتقلنا ربع قيادات القاعدة الذين كشفوا خطط القاعدة ونواياها.

والسبب الثاني: هو قرار الرئيس الباكستاني المشاركة في القتال إلى جانبنا. والسبب الثالث: هو الإجراء الحاسم الذي اتخذته القيادة السعودية في أعقاب تفجيرات الرياض 2003. فقد أوقفت السلطات السعودية أو قتلت العديد من قادة الخلايا الكبار، وقلّصت الموارد المالية المتاحة للقاعدة.

يعترف المؤلف أن تحليل قبل الحرب لم يتنبأ بالظروف الرهيبة التي ستتكشف على الأرض في العراق بعد الأعمال العدائية. غير أن الواضح تماماً هو أن المعلومات الاستخبارية التي قدّمها ضباط المخابرات بعد الحرب تروي القصة، وأسباب تدهور الموقف، بوضوح كبير.

فقد بدأ التدهور الأمني في العراق بعيد سقوط تمثال صدّام. والسؤال الوجيه هو: هل فشلت أجهزة الاستخبارات الأميركية في توقّع حدوث نزاع أهلي؟ وهل تصور المؤلف، مثل باقي المسؤولين في الإدارة الاميركية، الفكرة بأن الأميركيين سيلقون «الترحاب كمحررين»؟. يقول: «إن السي آي إيه لم تكن من بين الذين يتوقعون الترحاب بقوات الائتلاف كمحررين. فقد أصدرت وثيقة تنبؤية عن «عواقب النجاح الكارثي»، ورد فيها أنه سيكون هناك شعور بالارتياح في أوساط الشعب العراقي لفترة قصيرة قبل أن تعاود العداوات القديمة، والتوترات الإثنية الظهور ثانية. وخلال هذه الفترة الحرجة، يجب تقديم الخدمات التي يحتاج إليها البلد، إضافة إلى العمل أيضاً على إنشاء إحساس بالأمن والأمان كان غائباً في حكم صدّام.

هذا هو الموضع الذي أخفقت فيه الخطط. كان تحليل جهاز الاستخبارات يفترض وجود خطة لضمان السلام. والحقيقة أنه لم تكن هناك استراتيجية لما بعد نزول القوات الأميركية على الأرض، ولم تعدّ الخطط إلاّ بعد وقت طويل من انطلاق اللعبة، وكان الوقت قد فات.

لقد زجّ في الحرب على العراق بـ 150.000جندي استطاعوا دخول بغداد بسهولة، لكن بهذا العدد يستحيل السيطرة على الوضع. فقد عملت الحكومة الأميركية بموجب افتراض أن الأمر سيكون، «بلد منبطح تحت أقدامنا ونستطيع أن نعيد تشكيله بالطريقة التي نختارها». وسرعان ما تبين بوضوح أن هدف الغزو الاميركي هو أساساً إعادة تشكيل المجتمع العراقي، فرفضوا ذلك.

فسلطة الائتلاف المؤقتة استقدمت أشخاصاً متلهفين لإقامة بورصة بغداد، وتجربة نظام ضريبي موحد، وفرض عناصر أخرى من مدرسة البنية الاجتماعية الرأسمالية الديمقراطية. «فالمكان يدار كحلقة دراسية جامعية، لا أحد منهم يتحدث العربية، ويفهم الطرق السائدة المعقدة في الشرق الأوسط، أو يعرف التقاليد والعادات والأعراف».

يقول المؤلف: لو كنّا أكثر حرصاً على عدم تنفير قطاعات بأكملها من الشعب والنخب العراقية، ولو كنّا أذكى منذ البداية وفكّرنا في إعادة الاعمار من منظور مقدار الأموال التي يمكننا وضعها بأيدي الشعب بحيث يعلمون أن لديهم دخلاً ثابتاً، ولو توصلنا إلى طريقة تسمح للعراقيين بأن يعرفوا أن لديهم دوراً بالفعل في تحديد مستقبلهم يتجاوز الكلام، لكنّا أفضل حالاً بكثير اليوم.

في وقت مبكّر يرجع إلى خريف 2003، اتضح أن الاستراتيجية الأميركية السياسية والاقتصادية لا تعمل بنجاح. فقد كان المسؤولون عن السياسة الأميركية يعملون في دائرة مغلقة. كان يتم تجاهل الأخبار السيئة، كما استبعدت التقارير المخابراتية التي أثبتت في النهاية دقّة توقعاتها، ولم يتم إجراء التعديلات اللازمة لتجنب العجز أمام تنامي التمرد العراقي. وقد ألقي عبء كبير على العسكريين للتعامل مع مشكلات لا يمكن أن تحل جذورها باستخدام مزيد من القوة العسكرية.

كان على أميركا، كما يرى المؤلف، أن تتلقى عواقب القرارات باجتثاث البعث وحل الجيش، وعدم القدرة على استخدام مليارات الدولارات المتاحة لتنفيذ استراتيجية يمكن أن تنجح. من السهل، على طريقة واشنطن إلقاء اللوم على بريمر الذي عمل في ظروف صعبة، ضمن تسلسل قيادي، مقدر عليه الفشل من شتّى الوجوه، ذلك لأن مجلس الأمن القومي أصبح أكثر مجاملة لاستراتيجية ما بعد الحرب، الفاشلة.

يكشف المؤلف عن الذهنية التي قادت إلى هذه الفوضى، فهو يرى أن كل حكومة تريد حماية شعبها تحتاج إلى مؤسسات تحصل على المعلومات المتعلقة بالأمن الداخلي والتهديدات الخارجية، وقد واجه مقاومة قوية وفورية اقتراحه بناء جهاز مخابرات عراقي جديد. فقد سألت كونداليزا رايس، رداً على طلبه: « كيف أعرف أنكم لن تنشئوا جهاز كي.بي.جي. جديدا؟» وقال ولفويتز، نائب وزير الدفاع آنذاك، لكبير ضباط السي.آي.ايه في العراق: «أنت لا تفهم سياسة الحكومة الأميركية، وإذا لم تفهم السياسة، فلن تكون في موقف يمكّنك من جمع المعلومات للمساعدة في نجاح تلك السياسة». في جميع الحالات يعترف المؤلف بأن جهازه لم يكن على علم بما تحاول الحكومة عمله. والأمر الوحيد الأكيد هو أن تنبيهاته كانت تلقى آذاناً صماء. يقول جورج تنيت: «يتعاظم التمرد في مكان مثل العراق عندما تتأخر في تأمين صفوفك، أو عندما تترك فراغاً يملؤه الانتهازيون مثل القاعدة، وعندما تحرم العديد من أقدر الأشخاص الذين يمكنهم مساعدتك. وأيضاً عندما ترفض أن تستفيد من المصادر المحلية التي يمكن أن توفّر معلومات عن نشاط التمرد. وأخيراً عندما تعمي نفسك عن الأدلة التي تتراكم أمام ناظريك. وكل هذه العوامل كانت متوفرة لنجاح الفشل في العراق».

الشرق الاوسط