عصرایران - كشفت وثيقة رسمية معنونة بعبارة «سري للغاية» حصلت عليها «الراي» قبل أيام من مصادر عسكرية، عن حملة أمنية لاعتقال بعثيين سابقين ومطلوبين بتهم مختلفة، يشرف عليها مكتب القائد العام للقوات المسلحة الذي يترأسه وفقا للدستور العراقي الجديد رئيس الوزراء نوري المالكي وتنفذها قوات خاصة وعدد من القيادات العسكرية المقربة منه.
ضباط في الجيش العراقي برتب مختلفة ويعملون في قواطع عسكرية متفرقة، أكدوا ان الحملة الامنية هذه تنفذها وحدات عسكرية خاصة مرتبطة مباشرة بمكتب المالكي ومجهزة بأحدث التجهيزات والاسلحة والمعدات التي تختلف عن تلك التي تمتلكها وحدات الجيش التي تلتزم بتقديم الدعم والاسناد فقط لتلك الوحدات الخاصة عند تنفيذها المهام الامنية المكلفة بها في مناطق مختلفة من البلاد.
واوضح هؤلاء الضباط في احاديث منفصلة لـ «الراي»، انه «يتم خلال العمليات التي تنفذها تلك الوحدات الخاصة باعتقال مطلوبين لمكتب القائد العام للقوات المسلحة فقط، ليتبين لاحقا ومن خلال المعلومات الاستخبارية التي تحصل عليها وحدات الجيش العاملة في قطاع العمليات التي تحصل فيها الاعتقالات، ان الاشخاص الذين تم اعتقالهم هم قياديون سابقون في حزب البعث المحظور سياسيا في البلاد».
الوثيقة المنشور نسخة منها أعلاها، جزء مما يعرف وفق المصطلحات العسكرية بـ«سجل الحوادث» وتتألف من صفحة واحدة تتضمن مجموعة من الحقول تكتب فيها بيانات ومعلومات مثل: تاريخ عملية الاعتقال، واسم الشخص المطلوب اعتقاله، وعنوان سكنه، والجهة المطلوب اليها، اضافة الى مصطلحات عسكرية أخرى.
أحد الاسماء التي تضمنتها الوثيقة بعثي سابق يدعى سامي شبيب وهو في الخمسينات من عمره، وتبين فيها اعتقاله من منزله يوم 21 أغسطس الماضي من منطقة كميرة الى الشمال من بغداد، وجد مقتولا وجثته تحمل آثار تعذيب في أنحاء متفرقة من جسده، حسب عائلته، وتم الاتصال بذويه من قبل دائرة الطب العدلي لتسلم جثته ودفنها.
عائلة شبيب أقامت مجلس عزاء له قبل أيام وعلقت يافطة تعزية سوداء في منطقته لنعي ابنها، لكن وبعد ساعات من تعليق اليافطة قام عدد من الاشخاص وهم غرباء عن المنطقة، بإزالتها من على الحائط الذي وضعت عليه، وأمام أعين المارة وعناصر الامن المتواجدين قرب المكان، وفقا لشهود.
الحملات الامنية هذه التي تنفذها الاجهزة الحكومية، جعلت ابراهيم المقدادي وهو بعثي سابق يعيش حال من الترقب والخوف هو وعائلته المكونة من ثمانية افراد، بعد ان قتل عدد من زملائه السابقين في تنظيمات حزب البعث المنحل، فضلا عن الاخبار التي وردت اليه والتي تفيد باعتقال آخرين وبعضهم عاد لتوه من سورية التي يقيمون فيها بشكل متقطع.
الابن الاكبر للمقدادي واسمه عمار شاب في الثلاثينات من عمره تحدث لـ «الراي» عما وصفه بـ «الجحيم اليومي» الذي تعيشه العائلة بعد ان شاعت انباء في منطقته بعد مقتل زميل والده عن حملة من التصفيات والاغتيالات ستطول البعثيين السابقين، نتيجة اتهام الحكومة لقيادات بعثية بالتورط في تفجيرات الاربعاء الدامي .
واوضح عمار، بان عددا من البعثين السابقين في منطقته والذين انخرطوا في أعمال بعيدة عن مبادئ وافكار حزب البعث وبعضهم انتمى لاحزاب السلطة الحالية، تم اعتقالهم من قبل قوات الامن الحكومية لفترة وجيزة ليطلق سراحهم فيما بعد ان أجريت معهم تحقيقات أمنية، مشيرا الى ان عددا اخر من زملاء والده استطاع الهرب قبل ان تصل لمنزله قوات الامن . ويؤكد الشاب العراقي ان، حالة الهرب والتخفي صفة الحياة الحالية لوالده، كما ان افراد عائلته هم الاخرون يعيشون حالة من الخوف على والدهم منذ ايام بعد موجة الاغتيالات والتصفيات الجسدية التي تعرض لها عدد من زملاء والدهم عندما كان قياديا في حزب البعث المنحل.
وفي هذه الايام يكرس عمار هو واشقاؤه الآخرون جل وقتهم لتوفير الحماية لوالدهم المتخفي عن الانظار، وابعاد الشبهات عنه، كما انهم يحاولون الان حثه على مغادرة البلاد ما دام كونه ليس مطلوبا للقضاء العراقي وتأكدهم بان اسم والدهم ليس على قائمة الممنوعين من السفر.
ويؤكد عمار بأن اشقاء واهالي ضحايا موجة الاغتيالات والاعتقالات التي طالت البعثيين السابقين، يتهمون الاجهزة الامنية الحكومية بتصفية ابنائهم بطريقة مشابهة لما كانت تحصل ابان فترة العنف الطائفي التي شهدتها البلاد عقب تفجيرات مرقد الامامين العسكريين في سامراء عام 2006.
مصدر حكومي في جهاز مكافحة الارهاب المرتبط في شكل مباشر برئيس الوزراء ومجلس الامن الوطني أكد، أن «الجهاز نفذ عمليات نوعية وليست كمية استهدف من خلالها قيادات الارهاب ومن بينهم بعثيون سابقون».
وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لـ «الراي»: «في شهر أغسطس الماضي تم تفكيك ثلاث شبكات إرهابية عائدة لحزب البعث المنحل، تقوم بتنفيذ وتمويل عمليات ارهابية استهدفت قوات الامن المحلية والبنى التحتية والمواطنين الابرياء».
وأكد شهود لـ «الراي»، ان «شخصا آخر تم اعتقاله قبل فترة في احد احياء منطقة الاعظمية (شمال بغداد) من قبل قوة أمنية خاصة، وجد مقتولا هو الاخر ويدعى سامي النعيمي وهو أيضا في العقد الخامس من عمره، وكان عضوا بارزا في حزب البعث في منطقته وأنحائها وكان يملك مزادا لبيع الاثاث الخشبية والتحف الفنية قبل سنوات».
أهالي وذوو البعثيين الذين لقوا حتفهم او تم اعتقالهم خلال حملة مداهمات نفذتها قوات حكومية في الايام القليلة الماضية، اتهموا في أحاديث تبادلوها مع معزين حضروا مجالس الفاتحة التي اقاموها على روح ابنائهم، اطرافا في الحكومة بتنفيذ حملة التصفيات الجسدية والاغتيالات التي طالت ابناءهم، من أجل إلصاق تهم بذويهم مثل: التورط بتنفيذ تفجيرات، او العمل على اعادة احياء حزب البعث، من دون اي تحقيقات او معلومات مؤكدة وانما حسب ادعاءات شخصية وكيدية من مجهولين.
وألقت الحكومة العراقية باللائمة على تحالف «البعثي التكفيري» نسبة الى حزب البعث المنحل، وجمات متشددة مرتبطة بـ «تنظيم القاعدة في بلاد وادي الرافدين»، بالتفجيرات الدموية التي حدثت الشهر الماضي وخلفت وراءها مئات الضحايا وخسائر مادية كبيرة، كما اتهمت بغداد دمشق بدعم واحتضان تلك الجماعات وتسهيل عملها الذي يزعزع الامن والاستقرار في العراق، الامر الذي ينفيه الجانب السوري.
ولم تنفع المحاولات المتكررة التي حاولت من خلالها «الراي» الاتصال بمكتب المالكي او احد مستشاريه للرد على الاستفسارات والادلة الدامغة التي حملتها الوثيقة، والاتهامات التي وجهها الاهالي لمكتب القائد العام للقوات المسلحة، لكن من دون جدوى فلم يرد احد على تلك الاتصالات.