رمز الخبر: ۱۷۵۱
تأريخ النشر: 14:29 - 20 December 2007
سوسن الأبطح

للأسبوع الثالث على التوالي، يتحدى المخرج العراقي جواد الأسدي كل الأوجاع، متعالياً على المخاوف، والأحداث القاتمة، والانفجارات المختبئة في السيارات المفخخة، ويواصل عرض مسرحية «نساء السكسوفون»، في قلب منطقة الحمراء البيروتية، وفي مسرحه الجديد «بابل» الذي لم يتمكن من تحقيق حلمه بافتتاحه في بغداد، فوجد في بيروت بدلاً عن ضائع. مسرح جديد، في ظرف لبناني مائج بالتوقعات السوداء، ومسرحية تدشنه، وتحاول ان تقرأ مستقبلاً مجنوناً، بعيون نساء لا ينقصهن الذكاء، وإن غلبهن القهر.


تستقبلك المسرحية من الباب. لا داعي لأن تنتظر وصولك للصالة المخصصة للعرض والمدشنة حديثاً. فها هو الرسام العراقي جبر علوان بلوحاته الأخاذة يعرفك بـ«نساء السكسوفون» اللواتي اتيت لتكتشفهن بنسختهن العربية. مزيج من الألم والتمزق والتمرد. واقفات في اللوحات، مستلقيات، متمايلات متجمعات متفرقات. تتوزعهن اللوحات التي حملت في غالبيتها اسماء ألوان الأعمال. وعلوان محق في تسمياته، فاللون عنده ينطق ويبهر. الأحمر الفاقع في فساتين النساء كما الأزرق الناري والأخضر، كلها تقهر الخلفيات السوداء التي تحاول أن تسرق بريق السيدات التائهات، لكن دون جدوى. جبر علوان، شريك جواد الأسدي، هذه المرة، يقدم رؤيته الخاصة لمسرحية لوركا الشهيرة «بيت برناردا ألبا» المأخوذ عنها العمل، ويبدو اكثر ميلاً لكسر حصار النساء من الأسدي، الذي ما أن يدخلنا لمشاهدة العرض حتى نعرف أننا علقنا في المصيدة.

خشبة المسرح التي اختبأت خلفيتها وراء ستارة شفافة تتحرك فيها نساء هائمات على وجوههن. انهن متوترات، متألمات وهائجات. بطلات الأسدي معذبات، لكنهن طريفات ومضحكات. برناردا (جاهدة وهبة) المغنية الأوبرالية القاسية، الصارمة، التي فقدت زوجها للتو تعلن الحداد عليه أربعة أشهر وتفرض على ابنتيها التزام المنزل. حداد لا تعرف إن كان على الفقيد أو على موت العائلة التي ستكتشف خلال ساعة وربع من العرض انها مهشمة كالمرايا المكسورة، بفعل القهر، والضغط، وانقطاع حبال التواصل في ما بينها.

نسف جواد الأسدي نص فردريكو غارسيا لوركا الطالع من قلب مرحلة فرانكو حيث كانت اسبانيا على شفا حرب أهلية، وترك منه بعض نسائه والحداد على الزوج المفقود، والتمزقات النسائية في مجتمع تقليدي، والمراوح الملونة، والجياد، والبيت المغلق الذي تعيش فيه برناردا مع بناتها (اختصرهن الأسدي في اثنتين) ومعهن خادمة والجدة. لعب دورها الممثل رفعت طربية، حليق الرأس، متدلي القرطين، بكثير من الظرف الممزوج بفكاهة ندية. كل امرأة لها عالمها الذي تحلّق فيه داخل البيت/ السجن، الذي يستحيل إلى جحيم. وكعاشق للعمل على أداء الممثل، حاول الأسدي هذه المرة، ان ينحت في شخصية كل من ممثليه ليجود بما عنده، وينضح مما فيه. ركز على صوت جاهدة كمطربة، واتكأ على حنجرتها ليحيل بعض الحوارات غناء ساخراً، عابثاً وهزلياً، تشاركها فيه خادمتها لابونيتا (عايدة صبرا) بردائها المتماسك بفضل ملاقط الغسيل الملونة. دور صعب ونابض، أبرز عبقرية صبرا في أداء قوي، مثير، ولا نبالغ لو قلنا، انه قزّم كل ما حوله، وربما ظلم الممثلين الآخرين. الحوارات التي مزجت فصحى الأسدي الدرامية القوية، بعامية لبنانية لاذعة ولمّاحة، جاءت ساخرة وعذبة، سترت ضعف حكاية النساء، التي أرادها الأسدي شرسة، مدمرة، دون أن يتمكن من حبك خيوط دراميتها. فبدا وكأن ثمة تضخيماً في تصوير مأساة لا يستطيع المتفرج أن يقبض على أطرافها.

السينوغرافيا، لم تترك العين تملّ، الألوان الجميلة، قطع الديكور المتحركة، الملابس الجذابة. تقسيم المسرح إلى جزء نراه من وراء ستار شفاف، وآخر في الجهة الأمامية جلي، قريب واضح، كناية عما يدور في ضمائر النساء. هناك الخفي الذي يطفو على السطح أثناء العرض، فيما الستارة الشفافة تنغلق وتنفتح، وفق الحاجة، والمكشوف العاري، الجهري والصدامي.

الكنبات الحمراء الضخمة الفاقعة، تليق ببرناردا الفنانة الكبيرة، المتألقة، وبشطحات ابنتها أديلا (إيفون الهاشم)، المتفجرة أنوثة، والتي تستلقي عليها، لتتدفق كلماتها رغبة ونزقاً. فيما الابنة المنوية المنطوية ماجدولينا (نادين جمعة) بنظاراتها الطبية وشعرها المربوط وجسدها المستدير تليق بها وبحبها للكتب، واستكشاف الحقائق تلك الكراسي المتقشفة، والأجواء الصارمة.

«ليس من هواء نظيف يغسل الحدائق» في عالم «نساء السكسوفون»، المنكفآت على مواجعهن، والمتواجهات فيما بينهن. الزوج الخائن الذي رحل، تاركا وراءه، زوجة تلملم بيتا متشظياً، البنتان الكارهتان للأم، المتحاربتان في ما بينهما، والجدة التي تحاول ان تنثر شيئاً من الحياة العفية في بيت ينهار. حروب في الخارج، وخراب، ونساء يخضن حروبهن الشخصية والعائلية. لا يعرف المتفرج، وسط هذه الفوضى الشعورية والقيمية، التي تغنيها برناردا بالفرنسية والاسبانية والعربية، ويدوزنها الأسدي على ايقاع الفلامنكو، هل انت في قاع المأساة اللبنانية أم العراقية، ام ان المسرحية تسرقك إلى خراب إنساني بلا سقف.

عرض مغامر يقدم، في ظروف استثنائية، لمخرج اختار الموسيقى والغناء والفكاهة، وسيلة للخروج من قمقم الصمت إلى فضاء البوح المسرحي، في مدينة جريحة وحزينة. «نساء السكسوفون» بكل ما اوتين من اضطراب وتمرد وثورة، وبحث عن ذواتهن المفقودة، يستقبلن زوارهن في «مسرح بابل» كل مساء خميس وجمعة وسبت وأحد، لا يأبهن بالخوف الضارب حصاره على بيروت. أما المتفرجون فليس أمامهم سوى التجاوب مع دعوة نساء الأسدي، في جنونهن المتوقد.

المصدر: الشرق الاوسط اللندنیه