
نتمنى أن يكون صب الزيت على نار الحرب مع إيران هذه الأيام جزءا من ضغوط سياسية تسبق لقاء «الخمسة الكبار» يوم الجمعة لبحث الخطوة التالية في المسألة النووية الإيرانية. ونتمنى أن يكون التلويح بالحرب مجرد تصعيد لغوي أو فرقعة إعلامية هدفها دفع إيران نحو تجميد أو وقف تخصيب اليورانيوم.
غير أن صوت وزير الخارجية الفرنسي بيرنار كوشنير كان عالياً جداً عندما لم يتردد في القول إن على العالم أن يستعد لخوض حرب مع إيران بشأن برنامجها النووي، وعندما أضاف أن علينا أن نتوقع الأسوأ، داعياً كبريات الشركات الفرنسية إلى عدم السعي إلى إقامة علاقات تجارية مع طهران.
وفيما كان كوشنير يزمجر من باريس كانت صحف لندن تؤكد أن بوش يريد أن يضع بلاده على طريق الحرب ضد إيران، ويريد أن يضمن قبل انتهاء ولايته أن تصبح الدولة الفارسية عاجزة عن إنتاج سلاح نووي.
وإذا كانت صحيفة «الصنداي تايمز» قد ذكرت أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي كانت تؤيد الحل الدبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية قد صارت اليوم من مؤيدي الحرب، فقد لطف وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس من الموقف قليلا عندما قال: إن الدبلوماسية مازالت في نظر بلاده هي الأفضل وإنْ كانت الخيارات الباقية مطروحة.
طبول الحرب تدق إذن لدفع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار برفع درجة العقوبات على إيران، كتوطئة محتملة لإعداد حجج الحرب الجديدة التي سبق لمدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي أن حذر منها، واصفا الذين يريدون استخدام القوة ضد طهران بأنهم «المجانين الجدد»، في إشارة لا تخفي على أحد، إلى رجال مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي الذي يتزعم «المحافظين الجدد» في الدفع إلى إعلان الحرب على إيران.
وحين يقول البرادعي إنه لا يريد أن يعطي حججاً جديدة لأولئك المجانين الذين يطالبون بضرب إيرن، فإنه يذكرنا بالرئيس السابق لمفتشي الأسلحة في العراق هانز بليكس الذي «شرشحته» واشنطن لعدم مجاراتها في سياستها الهادفة إلى ضرب العراق سواء وجد أم لم يجد فريقه أسلحة دمار شامل فيه. واليوم تريد واشنطن أو جناحها المجنون ضرب إيران دون أن يثبت أن برنامجها النووي يهدف إلى إنتاج أسلحة نووية.
لم يتعلم دعاة ضرب إيران من درس العراق، بل لعلهم يتوهمون أن تؤدي ضربة كهذه إلى إلحاق هزيمة سريعة بالإيرانيين وفرض هيبتهم بالتالي على المنطقة واستعادة زمام المبادرة الذي فلت منهم منذ سنوات. وإذا كانت دولة بلاجيش قد فعلت ما فعلته بالولايات المتحدة، فما عساها إيران فاعلة وهي صاحبة الجيش الأقوى في المنطقة ومالكة الصواريخ والغواصات والدبابات.
نرجو أن تنحصر الأزمة في قضية تخصيب اليورانيوم، لا أن تتحول إلى غارات عبر الحدود على قاعدة «فجر» الإيرانية التي تتوقع الصحف البريطانية أن تبدأ الحرب من خلال مهاجمتها، بحجة أن تلك القاعدة هي التي تنتج القذائف والألغام التي تستخدم ضد القوات الأميركية في العراق.
تقول طهران إن تعليق التخصيب موضوع غير قابل للنقاش وإن فرض عقوبات جديدة عليها قد يدفعها إلى وقف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا كله مقبول ويبقى في دائرة التراشق الدبلوماسي. لكن الخطط الغربية الحربية تتضمن ضرب آلاف الأهداف الإيرانية، فيما تتضمن الخطط الإيرانية المضادة قصف القوات الأميركية في العراق وإغلاق مضيق هرمز لقطع الإمدادات النفطية.
السيناريو مرعب إلى أبعد الحدود، وكم نتمنى لو أبقي السجال بعيدا عن التراشق بالقذائف، لأن الكوارث المترتبة على ذلك لا يمكن تخيلها.