من يقرأ الانباء الواردة من بيروت عن تراجع منسوب التفاؤل بحصول تسوية للاستحقاق الرئاسي اللبناني، وعودة التوتر بقوة على الساحة الفلسطينية رغم موجة التفاؤل التي رافقت انعقاد مؤتمر انابوليس، وكذلك من يقرأ التقارير التي تتحدث عن الانقسام الحاد الذي حصل داخل مطبخ صناعة القرار الاسرائيلي يجد من الفائدة بمكان العودة من جديد لقراءة تقرير الاستخبارات الامريكي الاخير لاسيما في ظل تطورين اثنين حصلا خلال الايام القليلة الماضية الاول وهو تأجيل المباحثات بين واشنطن وطهران حول الامن في العراق والتي كانت مقررة في بغداد، في وقت عاد احمدي نجاد ليؤكد سروره به و ليصفه بانه استسلام! والثاني وهو قرار موسكو بالبدء بتسليم طهران الوقود النووي اللازم لتشغيل مفاعل بوشهر الذري قبل البدء بتشغيله بعدة اشهر، في وقت صرحت فيه القيادة الروسية ان هذه الخطوة تشجع طهران على التخلي عن اصرارها على التخصيب المحلي وهو ما لقي تأكيدا امريكيا علنيا مشابها!
فرغم كل ماقيل عن تقرير الاستخبارات المذكور فان القدر المتيقن من نتائجه وتداعياته على ما يبدو هو تخفيض مستوى الصراع والتوتر بين العاصمتين الامريكية والايرانية على المسرح العراقي الذي بات يشكل الثقل الرئيسي في الصراعات الاقليمية حسب المراقبين بانتظار حسم سائر الصراعات والتوترات التي تحولت بدورها الى صراعات ثانوية يشتبك فيها الطرفان في الاقليم على خلفية خريطة العراق الجديدة! وفي الوقت الذي سيحاول فيه كل طرف حسم كل ملف من تلك الملفات في فرصة استراحة العراق لصالحه قبل العودة مجددا الى خوض الصراع الرئيسي على المسرح العراقي، تأتي خطوة تأخير مباحثات بغداد من الثامن عشر من الشهر الجاري كما كانت ترغب السلطات العراقية، الى بداية السنة الميلادية الجديدة بمبادرة من طهران على ما يبدو بحجة المزيد من الاعداد والتعمق لتفسر من قبل المراقبين بكونها ناتجة عن شعور الاخيرة بالزهو والانتصار على الخصم اللدود الذي ما انفك يتهمها بالتسلح النووي، واذا به فجأة يخرج بتقريره الاخير خلافا لكل ما سبق من تحريض مكثف ما يعني شعوره بانتكاسة استراتيجية مريرة!
غير ان السؤال الاهم الذي يطرح نفسه في الواقع هو: هل ينم التقرير المذكور اضافة الى ذلك عن تراجع استراتيجي من جانب واشنطن يتمثل في الانكفاء التام عن الملف الايراني النووي وتهديدها بالضربة العسكرية الذي ظل مستمرا طوال العهد الثاني للرئيس بوش؟! وتاليا التراجع عن الحسم في سائر ملفات الاقليم الذي نعيش فيه نحن العرب والمسلمون في اطار التوجه بالانتباه الى الصراعات العالمية الكبرى التي بدأت تبرز مع التوثب الروسي للعودة بقوة الى المسرح الدولي وتحدي الاحادية الامريكية في اكثر من ملف، وايضا بسبب الانكفاء المؤقت نحو الداخل الامريكي بسبب اقتراب موعد انطلاق السباق الانتخابي للرئاسة الامريكية؟! ام هي مجرد استراحة محارب بالنسبة للامريكي الذي لن يغمض له جفن قبل ان يوقف «المارق» الايراني الاخطر على الامن الدولي كما كان يصفه دوما؟!
اذا كانت صحيحة بالفعل تلك الانباء التي تسربت من داخل اروقة مطبخ صناعة القرار الايراني والتي تفيد بان ثمة توافق استراتيجي مهم قد حصل بين القيادتين الروسية والايرانية في الآونة الاخيرة يقضي فيما يقضي ان تبذل طهران كل ما تستطيعه من تهدئة مع المحيط القريب ومع الخصم اللدود مقابل تعهد روسي بمنع حصول اجماع دولي ضدها، وهو ما اشار اليه احمدي نجاد مؤخرا ايضا بالتصريح بانه لا يتوقع صدور عقوبات جديدة ضد بلاده، فان ذلك يعني ان واشنطن قد صرفت النظر ليس فقط عن الخيار العسكري بل وعن المواجهة مع طهران بشكل نهائي وانها بدأت تعد العدة ل«تكويعة» كبرى مع الدولة الاقليمية الاعظم في المنطقة عنوانها التحضير للتعايش مع «ايران الدولة النووية!».
ذلك ان من بين تلك الانباء المتسربة تفيد بان موسكو تفكر جديا في التحضير الجدي لاعلان تحالف رباعي اقتصادي يعنى بشؤون الغاز هو اشبه باوبك الغاز يضم كلا من روسيا وايران وقطر وفنزويلا كنواة اولية وانها حصلت على تعهد ايراني بهذا الخصوص لتسليمها مهمة استثمار مرحلتين من حقل «بارس الجنوبي» الضخم للغاز قيمته مليارات الدولارات تنفذه شركة غاز بروم الروسية، يقضي باسالة الغاز وبيعه مباشرة من على البواخر في المياه الخليجية الدافئة! ان هذا الانجاز الروسي فيما لو تحقق بالفعل سيعتبر الاختراق الاول من نوعه للروس في منطقة النفوذ الغربية تقليديا والتي ظل يحلم بها قادة موسكو منذ عهد القياصرة! واذا ما اضفنا اليها الانباء التي تتردد حول عودة الروس الى مياه البحر المتوسط الدافئة ايضا من جديد عبر البوابة السورية، وما يحكى حول قواعد عسكرية هناك في طرطوس او اللاذقية، فاننا نستطيع ان نفهم السبب الحقيقي وراء صدور مثل هذا التقرير الاستخباراتي الامريكي ولماذا وصفه البعض بالانتكاسة الاستراتيجية!
ان بدأ تدفق الوقود النووي الروسي نحو طهران وعدم استعجال الاخيرة في الذهاب الى مباحثات بغداد وفشل واشنطن المتكرر في تحشيد اجماع دولي لتشديد العقوبات على طهران فضلا عن اقناع العالم والراي العام الامريكي بالخيار العسكري ضدها، لا يمكن قرائته الا في هذا السياق كما يقول العارفون ببعض خفايا ما يدور في الاروقة الخلفية التي بدأت تتحكم بمعادلة الصراع الامريكي الايراني من جهة والامريكي الروسي من جهة اخرى!
ثمة من يرى في هذه الاثناء ان تحولا استراتيجيا بدأ يتبلور شيئا فشيئا وان ببطء في العالم القديم الذي لا تزال تمسك امريكا بزمام المبادرة به وهو تحول يوحي بان ازمنة القيادة الاحادية للعالم و سيادة او هيمنة القطب الواحد في العلاقات الدولية و شن الحروب الاستباقية على كل من يخرج على الارادة الامريكية بدأت تنهار، هذا فيما يظهر ان ثمة تحول استراتيجي وان كان يتبلور ببطء ايضا لكنه يوحي بان ازمنة مختلفة بدأت تتجمع خيوطها في اكثر من عاصمة في العالم اهمها موسكو وطهران واللتان تبدوان اكثر من حليفين استراتيجيين في هذه الايام تنهض من وسط ركام او حطام سفينة الامبراطوريين الجدد التي غرقت في العراق!.