رمز الخبر: ۲۰
تأريخ النشر: 20:45 - 19 September 2007
ماضيه و حاضره ومستقبله

لو تأملنا ودرسنا اللغات الرئيسية في العالم لوجدناها قد مرت بمراحل ومتغيرات مختلفة سواء من حيث أنماط الكتابة وتوالد مفرداتها وقواعدها وموت أو نسيان مفردات وذلك لمواجهة متطلبات التطور الإنساني ولتعزيز الاتصالات بين البشر وتسمية وصياغة فهم المستحدثات الحياتية والعلمية بشتى أنواعها وللتعبير عما ينضح في مخيلة الإنسان من أفكار وعواطف وتصورات ساعدت على فهم وتطوير وتسهيل حياة الإنسان إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر، وعلى مر الزمان تنوعت وتشكلت وتناسلت حتى صار منها مئات اللغات واللهجات تتراكم مفرداتها بإعداد مهولة وتعقدت تركيباتها بحيث أصبحت علما من العلوم الإنسانية الهامة.
ولا زالت اللغات خاضعة للمتغيرات وستظل كذلك ومثلا على ذلك في الأدب الإنجليزي عندما نقرأ أعمال شكسبير نجد أن كثير من مفرداتها لم تعد تستخدم يومنا هذا لموت كثير من مفرداتها، ولو أوغلنا بالقدم لوجدنا أن اللغتين الإنجليزية والألمانية كانتا قبل ۱۴۰۰ سنة واحدة مختلفتا اللهجة فقط شأن لهجة المشرق العربي ومغربه يومنا هذا وعندما نقرأ لشعراء العرب ما قبل وبعد الإسلام نجد جل مفرداته غريبة نحتاج إلى الاستعانة بالقواميس والمعجمات لتفسيرها.
وفي موضوعنا هذا سندع اللغات وننفرد ببحث لغتنا العربية مركزين على الحظ العربي موضحين ظروف نشأته وتأثره بالبيئة السياسية والثقافية منذ نشئتة والمتغيرات التي مرت عليه وعصور زهوه وما يواجه من تحديات في الوقت الحاضر وبداية تململه وضعفه على مسايرة التطورات العلمية والعملية العالمية.

الخط العربي ومتغيراته

مما لا شك فيه أن الخظ العربي قد شهد مراحل تطور الحضارة والثقافة العربية والإسلامية وازدهارها في الماضي وتململها وركودها وتدهورها في وقتنا الحاضر.
وقد مر الخط العربي بمراحل ومتغيرات زمنية مختلفة ودخلت عليه متغيرات وتعديلات شتى وتفرع منه أنواع عدة سمة جميعها تلازمه الجمالية الزخرفية والتشكيلات البديعة خاصة في الكتابة على المصاحف وجدران المساجد والقصور والأعمال الثقافية الأخرى.
وبفعل المتغيرات والتعديلات التي سايرت تطوره أصبح من المتعذر على القارئ العادي قراءة الخط الكوفي في خاصة فترة الثلاثة القرون الأولى شأنه بعض من الخطوط في اللغات الأخرى، وهذه المتغيرات ما هي إلا انعكاسا لمراحل تطور وازدهار الثقافة الإسلامية والعربية وسمة إيجابية لحيويته وتطوره، وقد وصل تطوره إلى الأعالي في عهد الإمبراطورية العثمانية والذي تجمد بعدها وبدأ العد التنازلي بأفول الدولة الثمانية.

بدائع الخط العربي

من المعروف أن الرسم والنحت كانا من المحرمات أو المكروهات عند المسلمين فقد كان الفنانون والمزخرفون العرب والمسلمين يفرغون طاقاتهم ومواهبهم الفنية استخدام الخط العربي كمادة رئيسية للزخرفة على الجدران والمصاحف والكتب بالإضافة إلى الزخارف الهندسية والنباتية مما أضفى على الخط العربي خصوصية ونكهة وبريقا زخرفيا رائعاً أطلق عليه فن الاراسبك «فنون الزخرفة العربية» تجلت روائعه في بلاد الأندلس وشمال أفريقيا وسوريا والعراق وإيران وبخارا ومعظم الأقطار الإسلامية وعلى مر زمن تطور وازدهار الحضارة الإسلامية مسك ختام في عهد الدولة العثمانية التي اتخذت من اللغة العربية لغة الكتابة الرسمية للدولة.

التخلي عن الخط العربي

هذا هو الوجه الناصع للخط العربي وكان تطوره وازدهاره انعكاسا لتطور ونهضة الحضارة الإسلامية، لكن ماذا بعد أفود الدولة العثمانية. لقد تعرضت الدول العربية والإسلامية إلى الجمود والشلل التام بل والتراجع إلى الوراء حتى إن كثيرا من الدول الإسلامية عزفت عن استخدام الخط العربي واتخذت من الكتابات بالحروف اللاتينية أو الأصلبة «لغتهم قبل الإسلام» لغة الكتابة الرسمية ومنها تركيا التي حلت العلمانية فيها بدلا عن الدولة العثمانية الإسلامية بينما كان بالمقابل تتطور وتتنامى الحضارة الأوروبية، والأسباب سياسية ومعروفة ولسنا بصدد مناقشتها هنا إلا أن نذكر أن هذا يدرج من ضمن صراع الحضارات الذي يتوجب أن نعترف به واقعا ملموسا وما تحول وعزف كثير من الأقطار الإسلامية عن الخط العربي إلا مثالا على ذلك.
انعكاسات الوضع العربي والإسلامي على الخط واللغة العربية في الوضع الراهن

إن هويتنا كعرب ومسلمين معرضة وبصورة خطيرة إلى الأفول وهذا ملموس من مجريات الإحداث الحالية ولن يعد العربي يفتخر بقوميته وعروبته بل صاروا يتهربون منها خاصة في المهجر ويتمنطقون ويتحذلقون ويتفاخرون بالتكلم والكتابة بلغات أجنبية أعمها الإنجليزية لغة سيد الأرض في وقتنا الحاضر بل إن من يتكلم الإنجليزية صار مميزا ويحصل على المناصب المهمة في الأعمال الخاصة وفي مراكز الدولة وصارت إعلانات التوظيف تشترط إجادة اللغة الإنجليزية ودخلت الأجنبية في حياتنا اليومية وفي مأكلنا ومشربنا وهما أعم العموميات، ودليلي على ذلك ما يكتب على أسماء المحال التجارية ودور الأعمال وأسماء الشركات في كل الدول العربية بل وقوائم الطعام في المطاعم التي تكتب إلى جانب قائمة الأجنبية بالعربية لكن التسمية أجنبية فأسم الدجاج في مطاعم مصر قلب العروبة النابض صار تشكين والعلبة تسمى كنز وصارت العربية في المطاعم والمتاجر ومغلب نواحي الحياة ثانوية غربية ذليله ومهانة ذل مواقفنا السياسة والعسكرية والعلمية والفكرية فباليابان والصين لا تسمى الدجاج تشكن أو العلبة كنزل بل تسمى بمسميات لغتهم الوطنية وفي المؤتمرات والمحافل الدولية تلقى كلمات ومحاضرات ودعوات الوفود الرسمية العربية باللغة الإنجليزية.