رمز الخبر: ۴۵۷
تأريخ النشر: 18:32 - 27 October 2007
حمزه هادي حميدي
لاشك بان الحديث عن الامن الاقليمي لمنطقة الخليج الفارسي يحظی باهمية خاصة لاسيما وان هذه البقعة الحساسة من العالم اضحت منطلقا لتغييرات جيوسياسية اوجدها اندلاع ثلاث حروب دولية فيها وعند تخومها، ابتداء من الحرب التي فرضها نظام صدام البائد علی‌ الجمهورية الاسلامية الايرانية المعروفة بحرب الخليج الاولی (1980 – 1988) ومرورا بحرب تحرير الكويت في العام 1991 وانتهاء‌ بالاحتلال الاميركي الغربي للعراق (حرب الخليج الثالثة) عام 2003 م. والتي مازالت تداعياتها الماساوية تتواصل حتی يومنا هذا، علی مستوی المنطقة او العالم.

ولايخفی علی احد الدوافع والمصالح الاستكبارية من وراء اشعال الازمات والتوترات المتتابعة في الخليج الفارسي، باعتبارها منطقة استراتيجية زاخرة بالموارد الطبيعية الحيوية كالنفط والغاز اللذين يشكلان عصب الحياة للقارتين الاميركية والاروبية الی جانب استراليا، بالاضافة الی موقعها الجغرافي والتاريخي الذي اهلها لان تكون معبرا بين الشمال والجنوب علی مر العصور.

ونظرا للمميزات الانفة الذكر، فقد كان من الطبيعي ان تشهد هذه المنطقة وشعوبها -ايرانيين وعربا- غزوات خارجية وصراعات اجنبية من اجل السيطرة عليها ونهب خيراتها، واستعمار اهلها الذين تجمعهم اواصر الدم والجيرة والدين والتاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية المتداخلة.

ولهذا السبب كانت هذه المنطقة مسرحا للحملات الاوروبية التي انطلقت في القرون الثامنة عشر و التاسعة عشر والعشرين من البرتغال واسبانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها الی آسيا وافريقيا، تلك الحملات التي كانت تهدف في ظاهرها تهدف الی البحث عن اسواق جديدة للمنتجات التي اكتضت بها عنابير تلك البلدان في اعقاب الثورة‌ الصناعية الكبری التي عمت اروبا خلال القرن السابع عشر الميلادي.

في حين ان مآربها كانت ابعد من ذلك بكثير والدليل علی ذلك ماسببتها من مجازر وابادات جماعية وعمليات استعباد لبني البشر، طاولت المسلمين وابناء شبه القارة الهندية والشعوب الافريقية و دول الهند الصينية ولم يسلم منها احد بلا استثناء.

في هذا السياق حفلت منطقة الخليج الفارسي والبلدان العربية في آسيا وافريقيا بحوادث، ‌عرضت ابناءها للكثير من الفقر والاستغلال والمصاعب،‌ الامر الذي عزز الاعتقاد في نفوسهم بان الغزاة الخارجيين، لايفكرون الا بمصالحهم المادية ولايخطون خطوة الا ويحسبون لها حساباتها من حيث الربح والخسارة وبما يؤمن تدفق الاموال والكنوز التي تزخر بها المنطقة العربية والاسلامية، ‌الی مخازن وبنوك اصحاب الاحتكارات العالمية في اروبا الاستعمارية قديما. وفي الولايات المتحدة الاميركية حديثا وذلك منذ بداية النصف الاول من العشرين وحتی وقتنا هذا.

واستنادا الی سنة الله تعالی في خلقه فان الطواغيت كانت وماتزال تؤول الی‌ الانهيار والانحسار، ‌وقد انبأنا اللطيف الخيير عن ذلك بقوله عز وجل: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل علي العالمين) سورة البقرة الاية 251 اذن فان زوال دول الظلم والاستكبار هو حقيقة ثابتة وحتمية وقد اكدتها حركة التاريخ علی الدوام لتكون عبرة وموعظة للاجيال القادمة وقد قال تبارك اسمه (ان فی ذلک لذکری لمن کان له قلب او القی السمع وهو شهید) سورة ق الاية 37 ان الايرانيين والعرب الذين يمثلون قطب الرحی في هذه المنطقة الحساسة من العالم، كانوا ومنذ القرون الماضية عرضة لحملات غزو عنصرية واستغلالية بشعة‌ استهدفت اراضيهم وشعوبهم ومقدساتهم الاسلامية‌، ولاسيما ايام الاستعمارين البرتغالي البريطاني اللذين تنافسا في حروب طاحنة في الخليج الفارسي ،‌وخلف الصراع بينهما جروحا عميقة تخريبا واسعه النطاق في المناطق الساحلية.

ماجعل ابناء الشعبين الايراني والعربي يدفعون ضرائب باهضة في الارواح الممتلكات جراء المعارك وعمليات القرصنة الاستعمارية التي لم يكونوا طرفا فيها في اشعالها، وليس لهم ذنب سوی انهم كانوا يعيشون جنبا الی جنب في هذه المنطقة.

وعندما ولی عهد الاستعمار القديم اضطرت القوات الاجنبية الغازية الی مغادرة المنطقة رغم الكوارث التی خلفوها. ‌لكن الذي بقی هم ابناء الشعبين الايراني والعربي باعتبارهم اهل الارض والديار والمياه والخيرات.

وتحولت المآسي والمعاناة والصراعات التي خلقها المستعمرون الاروبيون، الی قصص وحكايا ينقلها الكبار للصغار.

ويدونها المتخصصون في صفحات التاريخ وكتب الدراسات والابحاث، لتكون علامات نور يستضئ بها الناشئه والاجيال، ويدركوا بها ان العدو المشترك لايفرق في اهدافه ونواياه الشريرة بين الايراني والعربي، ولايستثنی شيئا سوی تحقيق اطماعه ونزواته المادية والشيطانية .

لقد كانت صفات الالفه والمودة والتصاهر وماتزال هي السمة‌ الغالبة للمسلمين العرب والايرانيين الذين تجمعهما قواسم مشتركة ومصيرية‌، ومن اهمها رابطة الدين والعيش المشترك والتواصل والتعاون علی‌ البر والتقوی، مثلما امر المولی المتعال.

وعندما ادرك النظام الاحتكاري العالمي ان امة تجتمع علی مثل هذه القيم والثوابت السامية ، فانه عمد الی زرع كيان مصطنع ارهابي في قلب العالم الاسلامي وهو الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين والقدس الشريف والاراضي الاسلامية‌ الاخری في الجولان السوري وغور الاردن وسيناء مصر وجنوب لبنان. واطلق الاستكبار العالمي العنان لهذا الكيان لارتكاب ابشع الجرائم والاعتداءات طيلة اكثر من ستين عاما.

وكانت هذه المأساة المؤلمة هي الاخری درسا للشعوب الاسلامية كافة ،‌مفاده ان استهدافات الاستعمار الحديث بزعامة اميركا المستبدة، ابعد بكثير مما قد يتصوره البعض - وانها لاتقتصر علی نهب الثروات والتحكم بالمنافذ المفتاحية في الشرق الاوسط فقط.

فقد علمتنا تجربة‌ اثارة النعرات الطائفية والمذهبية والقومية بين ابناء الامة والتي استعرت في العامين الماضيين عبر الايقاع بين السنة والشيعة ومؤامرة تعجيم الشيعة وتعريب السنة انطلاقا من سياسة (فرق تسد) اضافة، الی تشجيع الافكار المتطرفة والجماعات التكفيرية وتوفير الحواضن الآمنة لتكاثرها وانتشارها في ارجاء الارض.

اقول ان هذه التجربة علمتنا بان قيم الاخوه وحسن الجوار والتعايش السلمي بين ابناء المنطقة، هي المستهدفة في قاموس الغزاة المحتلين الذين يكرهون ان تسود اواصر المحبة والتعاطف والتراحم بين الايرانيين والعرب وبين المسلمين كافة.

وبالتالي فان الماكنة الثقافية والاعلامية الغربية والصهيونية لاتفتأ تسمم العقل البشري في هذه المنطقة، بانواع المعايير والمفاهيم الساعية الي مسخ الهوية الاسلامية والاخلاق الحميدة، واحالة صفة المودة والشفقة السائدة بين دول المنطقة وشعوبها ال‍ی صفة التنافر والتباغض والتصارع علی اتفه الامور.

اذن فالعدو المشترك وبعدما انتهك الاوطان والسيادات ودنس المقدسات فانه يكرر عزف ذات النغمة التي اتاحت له من قبل السيطرة علی القلوب والعقول والمقدرات، ‌الامر الذي يحمل علماء الامة ومفكريها ومثقفيها واحرارها مسؤولية التصدي لهذه المخططات الجهنمية وتحذير الشعوب كافة من مغبة الوقوع في مثل هذه الافخاخ والحبائل الشيطانية التي ترمي الی توريث الاحقاد والضغائن للاجيال القادمة.

فابناء الغد هم امانة في اعناقنا نحن ابناء اليوم ، وحري بنا ان نوفر لهم اسباب التعايش الاخوي والانساني ونبعد عنهم شبح التناحر والتخاصم. وفي مثل هذه الحالة سنكون بمستوی المسؤولية الشرعية والاخلاقية. علما بان تحقيق هذا البعد يقتضي التحلي بالوعي واليقظه واحيانا تقديم التضحيات الغالية دون اي تردد، والتعاون معا ايرانيين وعربا بل مسلمين كافه لتفادي كل ما يمكن ان يعكر صفو العلاقات التاريخية والثابتة بين ابناء هذه المنطقة التي تتجاذبها اطماع القوی الاستكبارية الظالمة.