محمود الطيب - في الذكری التسعين لوعد بلفور (2 تشرين الثاني 1917) ثمة ضرورة لقراءة هذه الواقعة الاليمة من زواية ما تواجهه الامة الاسلامية اليوم من محن و كوارث وانقسامات تعود بجذورها الی ما أسسه له هذا لوعد اللااخلاقي واللاانساني علی خلفية الرؤی والممارسات الاستعمارية المتعجرفة لبريطانيا (العظمی) خلال القرن الماضي.
فمن المعروف ان الولايات المتحدة تسلمت الارث الاستعماري من انكلترا بعد تزعزع اوضاع الاخيرة خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1949) وعجز لندن عن إدارة مستعمراتها السابقة في الشرق الاوسط، وانفلات الامور من عقالها بسبب النهضات الاستقلالية في البلاد العربية والاسلامية التي تبرمت كثيرا من سياسات بريطانيا الخبيثة في المنطقة، ولاسيما في تغاضيها عن استعدادات الصهاينة الارهابية لتأسيس دولتهم الكريهة علی ارض فلسطين العربية المسلمة الخاضعة لانتداب البريطاني، وكذلك في تواطؤها مع الاستعمار الفرنسي علی تعميق التجزئة والتباعد والتخاصم بين ابناء العالم الاسلامي الكبيرعلی قاعدة معاهدة سايكس بيكو (16 ايار عام 1916) التي تقاسم المستعمرون بموجبها ارض العرب والمسلمين ووضعوا لها حدودا مصطنعة حالت دون التواصل الاخوي والانساني بين ابناء الامة ايرانيين وعربا و أتراكا و هنودا وسواهم، التواصل الذي كان سائدا ايام الدولة العثمانيه حتی العام 1919تاريخ انتهاء الحرب العالمية الاولی ، وابتداء مرحلة الاستعمار الاجنبي البغيض لبلدان الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا.
الشيء المثير للاهتمام هو ان اللورد بلفور وزير خارجية بريطانيا كتب في مذكراته بعد سنتين من اعلانه المعروف (ان القوي الاربع العظمي، اشارة الی بريطانيا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة ملتزمة بالصهيونية، وسواء كانت الصهيونية علی خطأ أم علی صواب أو كانت شيئا جيدا ام سيئا فانها متأصلة بعمق في تراث الماضي كما انها متأصلة في حاجات الحاضر وآمال المستقبل، وهي اهم بكثير من رغبات ال700 الف عربي الذين يقطنون الان في تلك الارضي القديمة) *
اذن فان أميركا التي هي اصلا نتاج بريطاني استعماري من نوع آخر، ورثت هذا المنطق البعيد عن كل قيمة حضارية، وهي تسعی بلاهوادة الی حماية اسرائيل واستمرارية بقائها اللامشروع ليس علی حساب تشريد الشعب الفلسطيني وحسب انما علی حساب باقي ابناء المنطقة العربية والاسلامية ايضا الذين ما انفكوا يدفعون ضرائب باهظة ومتواصلة في الارواح والممتلكات جراء الدور الصهيوني التخريبي في افتعال الازمات وتأجيج النعرات المذهبية والطائفية والقومية وتكريس السيطرة علی دول المنطقة ومقدراتها وثرواتها لصالح الاستكبار الغربي بزعامة الولايات المتحتدة.
ولهذا ليس من المستغرب ان تتعافی الادارات الاميركية المتتالية عن تصرفات الكيان الصهيوني الاجرامية ولاسيما ادارة جورج بوش وفريقه الجمهوري، الذي يقوده المحافظون الجدد، المرتبطون عقائديا بالحركة الصهيونية بشكل وثيق، ويحرصون علی الاسراع في تفعيل اهداف اسرائيل العنصرية والاستفزازية وخاصة تآمرها الدائم من اجل هدم المسجد الاقصی المبارك اولی القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وبناء الهيكل المزعوم مكانة، علی اساس ما هو وارد في العهد القديم (التوراة) الذي يلتزم بها البروتستانتيون في اميركا، علما أن معظم الرؤساء الذين تداولوا السلطة في البيت الابيض هم من اتباع هذه الطائفة المسيحية عدا الرئيس الاسبق جون كنيدي الذي كان يعتنق الكاثوليكية الرافضة لكتاب العهد القديم ، وقد لقي حتفه العام 1963 في ظروف غامضة حتی الان.
واللافت ان جورج بوش الابن و فريقه الجمهوري الحالي هم من اكثر السياسيين الاميركيين التصاقا بهذه البروتستانتيه والتزاماتها الايديولوجية، الامر الذي يفسر حجم الرعاية التي يوليها هذا الطاقم المتطرف من المحافظين الجدد لمواقف الكيان الصهيوني الغاصب وسياساته المتمردة علی كل المعايير والاتفاقيات والقوانين الدولية، وبالتالي يفسر ايضا تهافت الادارة الاميركية الحالية علی كسب رضی اسرائيل، والعمل بقوةعلی اعادة الاعتبار اليها بعد هزيمتها المذلة في حرب ال33 يوما (12 تموز – 14 آب 2006 ) علی ايدي ابطال المقاومة الاسلامية بقيادة العلامة المجاهد السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله في لبنان.
ومن هنا فاننا نری مساعي واشنطن الحثيثة لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط بمدينة انابوليس الاميركية، واصرارها علی اشراك الاطراف العربية والاقليمية والدولية فيه، وبالطبع ليس حبا للفلسطينيين وقضيتهم المعقدة عمدا. وانما سعيا لرفع معنويات اسرائيل وتقوية مواقفها الباطلة امام العالم في ضوء ذلك يمكن فهم هذه المحاولة اليائسة التي تديرها الآن مهندسة الدبلوماسية الاميركية كوندوليزا رايس في اطار ذلك المفهوم الذي سجله البريطاني الغادر الورد بلفور من قبل في مذكراته مبررا وعده المشؤوم، للخروج بهذه النتيجة وهي :
ان الصهيونية متاصلة في حاجات الحاضر و آمال المستقبل وهي بالنسبة لاميركا وحليفاتها أهم بكثير من رغبات و مشاعر حوالي ال300 مليون عربي ومايزيد علی مليار و نصف المليار مسلم، الذين زرعت اسرائيل بين ظهرانيهم لتكون سيفا مصلتا علی رقابهم، وبؤرة توتر مستديمة تقض مضاجع الامة الاسلامية – بلااستثناء-، الا اذا هب ابناؤها من كل حدب و صوب ووضعوا ايديهم في ايدي البعض، والتفتوا لمكافحة العدو المشترك بدلا من انشعالهم حاليا في صراعات جانبية لن يستفيد منها سوی الاستكبار العالمي والقوی الاستغلالية والناهبة لثروات الامم والشعوب.
* اختلاق اسرائيل القديمة – بقلم كيث وايتلام – ترجمة د.سحر الهنيدي – مجلة عالم المعرفة العدد 249 ص 203